الانخراط في العملية السياسية لتنفيذ مشروعها السياسي، وإلا كانت دائرة في إطار المفعول، وهذا النظر المصلحي يظهر في تقريرات المحققين من أهل العلم، وقد تقدم النقل عن العلامة أحمد محمد شاكر، وتأكيده على ضرورة المشاركة من أجل الوصول إلى تحكيم الشريعة في المجتمعات الإسلامية، ومما قاله:"وإذ ذاك سيكون السبيل إلى ما ينبغي من نصر الشريعة، السبيل الدستوري السلمي: أن نبث في الأمة دعوتنا، ونجاهد فيها ونجاهر بها، ثم نصاولكم عليها في الانتخاب، ونحتكم فيها إلى الأمة ..." [65] ، ولا يشكل القول بتجويز العمل السياسي في ظل نظام أحزاب مختلفة المناهج والأفكار، إذ لا وجود للإقرار بها إلا بالاعتبار الواقعي وليس الشرعي، بل قد تكون المشاركة واجبة لتغيير المنكر بجانبيه المنهجي والحركي، وممن أدرك القضية في الإطار الواقعي العلامة ابن عثيمين حين استدرك على السائل بعض الشبهات في هذا السياق، فقال:"أما القول: إن البرلمان لا يجوز، ولا مشاركة الفاسقين، ولا الجلوس معهم. هل نقول: نجلس لنوافقهم؟ نجلس معهم لنبين لهم الصواب. بعض الإخوان من أهل العلم قالوا: لا تجوز المشاركة؛ لأن هذا الرجل المستقيم يجلس إلى الرجل المنحرف. هل هذا الرجل المستقيم جلس لينحرف أم ليقيم المعوج؟! نعم ليقيم المعوج، ويعدل منه، إذا لم ينجح هذه المرة نجح في المرة الثانية" [66] ، وقد قارب هذا التقرير العلامة الألباني وإن كان أكثر تضييقًا للعمل السياسي، ولا ضير في ذلك، فالمسألة اجتهادية، فيقول وقد سئل عن مشروعية المشاركة في الانتخابات البرلمانية التي جرت في الجزائر:"لا أرى ما يمنع الشعب المسلم إذا كان في المرشحين من يعادي الإسلام، وفيهم مرشحون إسلاميون من أحزاب مختلفة المناهج، فننصح - والحالة هذه - كل مسلم أن ينتخب الإسلاميين فقط، ومن هو أقرب إلى المنهج العلمي الصحيح الذي تقدم بيانه. أقول هذا - وإن كنت أعتقد أن هذا الترشيح والانتخاب لا يحقق الهدف المنشود كما تقدم بيانه - من باب تقليل الشر، أو من باب دفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى كما يقول الفقهاء" [67] ، فيظهر من هذه النقولات التفريق بين الاعتبار الشرعي والاعتبار الواقعي في تحقيق هذه المسائل، وهي مجال رحب للنظر الاجتهادي من أهله المتأهلين له علمًا وتأصيلًا وتقعيدًا، ولا ينبغي جعله ساحة للإنكار والتراشق في الألفاظ وقد وسعهم الخلاف السائغ.
يعود أصل نظرية الفصل بين السلطات من حيث جذوره التاريخية إلى العهد اليوناني، إلا أن النظرية طُرحت خيارًا فكريًا ومنهجيًا في الثورات البورجوازية التي حدثت في أوربا ضد مبدأ تركيز السلطة في شخص الملك أو العاهل، وبهذا الاعتبار وضع مبدأ الفصل بين السلطات، حيث السيادة تكون محصورة في السلطة التشريعية التي هي من حق الشعب، وأما السلطة التنفيذية فهي ليست مستقلة وإنما تابعة ومندوبة عن الشعب في تنفيذ القوانين، والسلطة القضائية تعد جزءًا من السلطة التنفيذية، وفي الواقع أن التطورات السياسية التي حدثت جعلت من هذه النظرية مفهومًا دستوريًا وليس هناك من حدود فاصلة بين هيئات الدولة، وإنما التنسيق والموازنة بين السلطات لوجود الدولة [68] .
بهذا التوصيف لتصور المفهوم يظهر أن الفصل بين السلطات كإطار نظري وفكري فيه جانبان، الأول الفلسفة التي تنطوي عليها نظرية الفصل بين السلطات، حيث يكون حق التشريع للشعب من خلال ممثليه في المجالس النيابية، والجانب الثاني هو الجانب الإجرائي الوسائلي، ولا شك أن الجانب الأول غير منظور إليه في إطار النظام السياسي الإسلامي، إذ معلوم بداهة وضرورة شرعية أن هذا النظام يقوم على قاعدة حاكمية الكتاب، وهذه القاعدة تتجلى في جعل الشريعة محورًا تطبيقيًا في حياة الناس والمجتمع، إذ الإسلام يعد نظامًا شاملًا للحياة، يسعى إلى ترشيد حركتها في جوانبها كلها بقيم التوحيد والحق والعدل والخير التي نزل لها الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لذلك فإن تأطير المجتمع الإنساني بقيم الحاكمية غاية من غايات الشرع، وتحقيق العدل بين الناس فريضة من فرائضه [69] ، بغض النظر عن الأسلوب والوسيلة التي تحقق هذه القواعد والمبادئ، وبهذا تتغاير المنهجيتان المنهجية الإسلامية والمنهجية الغربية، فالفصل في إطاره النظري الفلسفي لا وجود له في النظام السياسي الإسلامي.