الصفحة 14 من 21

أحزابًا إسلامية، والثاني أن تكون أحزابًا غير إسلامية، وهذا التوصيف المجمل للإطارين يغني عن بيان مضامين هذه الأحزاب من حيث أهدافها ووسائلها وبرامجها، والنظر في هذه القضية من حيث الحكم وما يترتب عليه من فقه تنزيلي يكون باعتبارين:

الاعتبار الأول: النظر الشرعي، ومقتضاه من حيث الأصل تحريم الأحزاب السياسية، سواء كانت أحزابًا إسلامية أو غير إسلامية، إذ من شأن تأسيس هذه الأحزاب تفريق الأمة وتشرذمها وتفتت أجزائها والتنازع بين أفرادها، حيث تراعى المصالح الشخصية في الغالب، ويسود خلق التعصب والحزبية الضيقة على حساب وحدة الأمة والحفاظ على الجماعة من التفرق، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [61] ، وقال أيضًا: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [62] ، وقال أيضًا: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [63] ، ودلت على هذا الأصل أحاديث جمة، فقد روى الآجري في باب ذكر أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته بلزوم الجماعة وتحذيره إياهم الفرقة جملة من الأحاديث المتعلقة بالباب، منها حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد" [64] ، في أحاديث أخر دالة على لزوم الجماعة وعدم التفرق.

ولكن قد يشكل على هذا التأصيل كون الدولة الإسلامية قد تبيح تأسيس الأحزاب، وعند ذلك يأتي الاعتبار الثاني.

الاعتبار الثاني: النظر الواقعي، ومقتضاه أن تجيز قوانين الدولة تأسيس أحزاب مختلفة الاتجاهات والمشارب والمنهجيات للعمل في إطار ما يسمى بقانون الأحزاب، فيكون عملهم مؤطرًا بالإطار القانوني والسياسي الذي يتيحه دستور الدولة المعنية، وهذا التصور يغلب على الدول التي تتبنى النهج الديمقراطي، وعند ذلك يمكن لأرباب الخطاب الإسلامي العمل تحت مظلة دستور الدولة المعنية وتشكيل أحزاب تتبنى النهج الإسلامي؛ من أجل تحقيق مقاصده المنهجية والدعوية، والأصل الذي يستند عليه هذا التقرير هو العمل المصلحي الذي يكون منضبطًا بقاعدة المصالح والمفاسد، وهذا يستدعي قراءة الواقع وفقهه، واستغلال السبل المتاحة للتأثير في عقلية أفراد المجتمع، وعندها يكون النظر إلى النظام العام الذي يحكم البلاد بحسب قربه وبعده عن الشريعة، ويسري هذا الحكم الاجتهادي على قضية المشاركة في المجالس النيابية أو المشاركة في تشكيل الوزارة دون تفريق بينهما، فتجويز الانخراط في العملية النيابية، يعد تجويزًا للمشاركة في العملية الوزارية، فالقضية طالما أنها راجعة إلى النظر الاجتهادي الذي يسوغ فيه الاختلاف، فهي إذن مرتبطة بقاعدة المصالح، ولا ينبغي الإنكار على المخالف في هذه القضية أنى كان مذهبه الذي تبناه سواء القبول أو الرفض، لكن لا بد من التنبيه إلى أن نظام الدولة ودستورها قد لا يجيز تأسيس الأحزاب إلا إذا كانت إسلامية، أو أنها تعلن برامجها المؤسسة على الشريعة الإسلامية كأساس وأصل للعمل السياسي، والحكم عند ذلك يدور مع الجواز بالاعتبار الواقعي، فيكون عمل الأحزاب الإسلامية تحت مظلة الدستور، ولا حرج لو تعددت الأحزاب في هذا الإطار، طالما أنها متفقة من حيث المرجعية والأصول والمبادئ، ولا يضر اختلافها في الوسائل وأساليب الإدارة والحكم، لكن لا بد من العمل الجاد لتوحيد الرؤى السياسية وصولًا إلى جعل هذه الأحزاب كتلة واحدة تعمل في إطار سياسي واحد لجعل الشريعة هي الحاكمة.

وأما إذا كانت الدولة تجيز تأسيس الأحزاب دون النظر إلى مرجعياتها ومبادئها المنهجية والفكرية، فلا يخرج الحكم بتأسيس أحزاب إسلامية للعمل في إطار هذا النظام عن قاعدة المصالح والمفاسد، ولا يلزم من العمل في ظل هذا النظام الإقرار بما عليه بقية الأحزاب من أفكار منحرفة ومخالفة للمنهج الإلهي، وإنما يحملها على ذلك الضرورة الشرعية التي تلزم أرباب الخطاب الإسلامي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت