وتفاعلاتها، ويكفيك دليلًا في هذا ما رواه البخاري في صحيحه من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: أعطاني أبي عطية. فقالت عمرة بنت رواحة لا أرضى حتى تشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله. قال:"أعطيت سائر ولدك مثل هذا". قال: لا. قال:"فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" [30] .
والسؤال هنا كيف يكون النظر إلى العدل؛ كونه قيمة سياسية عليا في النظام السياسي الإسلامي؟
وظاهر من مضمون هذا السؤال أن هناك تقريرًا بأن العدل يمثل القيمة العليا في تحليل أهداف الوجود السياسي، وقد حقق ذلك الفكر السياسي الإسلامي وتقاليد الممارسة السياسية الإسلامية، بل وأكثر من ذلك أن مراجعة عملية البناء السياسي الإسلامي تفصح عن أن قاعدة العدل ظلت دائمًا هي المحور في نظام القيم السياسية، ويعضد ذلك ما استعرضناه من نصوص قرآنية ونبوية في التدليل على أهمية هذه القاعدة، وبناء على ذلك فإن التصور السياسي الإسلامي يؤكد في ظل هذه القاعدة على ما يأتي [31] :
أولًا: أن مفهوم العدالة بمعنى الصلاحية للحياد وعدم التحيز وحسن التقييم هو شرط من شروط أي ممارسة للسلطلة، وهو ليس قاصرًا على ولاية القضاء بل هو يتعدى ذلك لكل إمامة أو ولاية، قال الماوردي:"وأما أهل الإمامة فالشروط المعتبرة فيهم سبعة: أحدها العدالة على شروطها الجامعة" [32] .
ثانيًا: أن العدالة ليست فقط شرطًا مرتبطًا بالصلاحية للمارسة القيادية، وإنما هي أيضًا عنصر من عناصر استخدام السلطة أيًا كان قدرها أو مقدارها. بعبارة أخرى: هي شرط فيمن يختار ليتولى السلطة بل هي شرط يجب أن يظل قائمًا أثناء ممارسة السلطة وفي جميع مراحل تلك الممارسة، يقول الماوردي:"أما أهل الاختيار فالشروط المعتبرة فيهم ثلاثة: أحدها العدالة الجامعة لشروطها" [33] .
ثالثًا: العدالة كمفهوم تمثل إحدى خصائص النظام السياسي المثالي - كما عبر ربيع -، فكلمة السياسة العادلة هي الصفة المتداولة في الفقه السياسي الإسلامي للتعبير عن النموذج المثالي، وهي التي يصفها ابن خلدون بأنها تلك التي تعني إسعاد الأمة والعمل على تحقق مصالحها [34] ، وهذا مقتضاه أن الرقي في مراتب الحضارة الإنسانية وفقًا للمنهج القرآني لا يتحقق إلا بقاعدة العدل، ولا قيام ولا دوام للدولة مع الظلم والجور، وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، دون أن يكون مقصودهم قطعًا أن النموذج المثالي لا يمكن تحقيقه في دائرة الإمكان، إذ إن المثالية المقصودة هي المثالية المخالفة للواقعية التي غاب عنها مفهوم العدالة، أو قد تم تأصيل مفهوم للعدالة يتنافي تمامًا مع مقتضيات الخطاب الإلهي، ولا حاجة للتدليل على أمثال هذه التأصيلات في ظل الأنظمة الديمقراطية التي يزعم مؤسسوها أنها راعت المفهوم بما يدلل على صلاحية النظام في ذاته وصلاحيته للتعميم خارج بنائه الفكري وبيئته المؤسسة له.
هذه القاعدة تعبير عما يؤكد عليه المنظرون في السياسة سواء الشرعية منها أو الوضعية في قضية الحرية، وقد جعلت قيمة من القيم السياسية العليا في السياسة الوضعية، والباحث في هذا السياق يؤكد على أن الحرية بحق تندرج في إطار قاعدة العدل لو قدمت الضمانة على تحقيقها في الواقع التنزيلي، ومع هذا فإن التأكيد عليها في مواطن التقعيد يعد أمرًا مستساغًا بل مطلوبًا للحيلولة دون لمز الخطاب الإسلامي باحتكار الشرعية [35] في الساحة السياسية، على رغم أن التاريخ السياسي المعاصر