الصفحة 7 من 21

ووقائعه امتدادًا إلى حاضرنا قد شهدت على الذي احتكر الشرعية وقام بكل ما يملكه من وسائل مشروعة وغير مشروعة للحيلولة دون تحقيق قاعدة الحرية التي يتشدق بها الوضعيون وأنصارهم، إلا أن التعبير الذي يراه الباحث موافقًا للقواعد الشرعية ومعبرًا عن ضمائمها هو الاختيار وليس الحرية؛ وهذا الذي تشهد به نصوص الشريعة ومضامينها سواء كان ذلك عن طريق التصريح بمشروعية الاختيار أو طريق الإشارة، وتتجلى جميعها تصريحًا من حيث سياقها الموضوعي في قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [36] .

ووجه الارتباط من حيث السياق بين آية الإكراه وآية الكرسي أن ما اشتملت عليه آية الكرسي من دلائل الوحدانية وعظمة الخالق وتنزيهه عن شوائب ما كفرت به الأمم، من شأنه أن يسوق ذوي العقول إلى قبول هذا الدين الواضح العقيدة، المستقيم الشريعة، باختيارهم دون جبر ولا إكراه [37] ، إذ أن قضية العقيدة كما جاء بها هذا الدين قضية اقتناع بعد البيان والإدراك، وليست قضية إكراه وغصب وإجبار، وفي تقرير هذه القاعدة يتجلى تكريم الله للإنسان، واحترام إرادته وفكره ومشاعره، وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد، وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه [38] ، وإذا كانت قضية العقيدة تدور في إطار قاعدة الاختيار واللاإكراه، فإنها تنعكس ولا شك على مفاصل حياة الإنسان في كيفية اختياره لنمط حياته السياسي والاقتصادي والاجتماعي .. إلخ، وعليه فإن كل نص جاء في الشريعة يحمل في أثنائه ما يقرر قاعدة الاختيار، فإنه يندرج في إطار العلاقة بين مفاهيم المنظومة الكلية الضابطة، ولا يعني تقرير قاعدة الاختيار بأن يكون هناك إقرار بالمعاصي والمخالفات، وإنما جاء ذلك تعبيرًا عن كون الإنسان مختارًا في كيفية إدارة شؤون حياته، إلا أنه في مقابل ذلك يلزم التقرير بأن سوء الاختيار تعبير عن اختلال المعيار والميزان عند المرء يترتب عليه تذكيره وتقويمه بموجب قواعد وضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

بناء على ذلك فإن قضية الاختيار واللاإكراه كما أنها تكون مكفولة بالقواعد الشرعية الكلية، فإنها أيضًا منضطبة بها، بحيث لا تؤدي إلى اختلال النظام العام والإفضاء به إلى المفاسد وفوات المقاصد الضرورية، ولذلك فإن القواعد الشرعية نفسها تحيل قضية الاختيار إلى قاعدة أخرى لها اعتبارها الكبير في نظر الشارع ووحيه، وهي قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعلوم أن هذه القاعدة تدور في إطار المفاهيم الكلية، فيندرج تحتها الإطار السياسي؛ لكونه مرتبطًا بتفاعلات المجتمع الإسلامي من حيث ضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤكد كعهد المفاهيم الإسلامية المقاربة له منهجًا وحركة على شمول المفهوم لكافة أنماط الحركة، فكما أنه واجب على الفرد، فهو واجب على الجماعة أن تمارسه، وهو أحد المفاهيم ذات الانعكاسات السياسية إذ أن فيه التزامًا سياسيًا يقع على عاتق الفرد والجماعة والأمة، إلا أن الأمر لا يقف عند الالتزام السياسي، ذلك أن المفهوم تتشارك فيه جوانب أخرى لا تقل أهمية، أقصد بها الجوانب الاجتماعية والفكرية والحضارية، وهي بمجموعها تشارك في إرساء شرع الله تطبيقًا ودعوة وتبليغًا، وهذا المفهوم في حقيقته يشتمل على مجموعة من الضمانات وكذلك الشروط والمقتضيات، وعلى الفرد فضلًا عن الجماعة أن يمارسه في إطار تلك الضمانات أو بعبارة أدق في إطار القواعد والشروط النظامية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [39] ؛ فإن ذلك يضمن السلامة الحركية التي يسير فيها المفهوم في الإطار التنزيلي، وبهذا التقرير تجري قاعدة الاختيار واللاإكراه في إطار منظومة مفاهيمية متوازنة تحفظ مسار النظام السياسي الإسلامي وتفاعلاته دون أن يكون هناك تعسف في نظر أو تنزيل على المخالف لمرجعية هذا النظام أو معتقده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت