ولله در سيد قطب رحمه الله حين علق على الآية السابقة قائلًا: (نعم إنها نعمة لكن عند الذين لا يتعاملون مع الله، عند من لا يدركون لماذا خلقهم، نعمة عند من لا يتطلعون إلى آفاق أعلى من مواطئ الأقدام في هذه الأرض، نعمة عند من لا يوقنون أن البلاء في سبيل الله، وفي الجهاد لإعلاء كلمة الله هو فضل واختيار من الله يختص به من يشاء من عباده ليرفعهم في الحياة الدنيا على ضعفهم البشري، ويطلقهم من إسار الأرض يستشرفون حياة رفيعة، يملكونها ولا تملكهم، وليؤهلهم بهذا الانطلاق، وذلك الارتفاع للقرب منه في الآخرة هنالك في منازل الشهداء) .
ماذا تنقمون من أبي مصعب وعلى ماذا تلومونه .... حينما وطأت قدماه الشريفتان بلاد الرافدين لم يكن يبحث عن رغد العيش وكنف الحياة تحت أزيز الطائرات وقصف المدفع والدبابات، كان يبحث عن مواطن العز والشرف (ساحات الجهاد) التي سارت قدما سيد الخلق صلى الله عليه وسلم عليها، فأخذ من منهجه طريقاَ، ومن سيرة أصحابة رضي الله عنهم عبراَ، فخرج بنفسه وماله ليدافع عن حياض الدين، حين عجز علماء يشار لهم بالبنان أن يدافعوا عنه ولو بألسنتهم.
ماذا تنقمون من أبي مصعب وعلى ماذا تلومونه .... حين خرج للجهاد، خرج مودعاَ طالباَ ما عند الله، مطلقاَ الدنيا، راغباَ في مرضاة ربه يحركه الشعور بحلاوة الإيمان ورفض الخضوع والخنوع لأعداء الله ورفض العار والذل والهوان لإخوانه في العراق، تحركت غيرته على محارم الله التي دنسها عباد الصليب حين مات الغيرة في قلوب كثير من المسلمين.
ماذا تنقمون من أبي مصعب وعلى ماذا تلومونه ...
قرأ كتاب الله ففهمه و وعاه ولم يبدل معناه، قرأ قوله تعالى {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم} ، وقوله: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} .. فكان عاقلاَ فاهماَ لم يؤول، ولم يبدل.