واستحسنها، ودعا الناس إليها وعاقبهم عليها )) [1] ثم ذكر المعتصم (( وقيامه بالدعوة إلى التجهم، بحجة تنزيه الرب عن التشبيه والتمثيل والتجسيم، وكل ذلك نتيجة عدم التسليم للوحي ومعارضته بالرأي، وتقديم العقل على النقل، إلا أنهم في هذا الطور كانوا أخف ممن جاء بعدهم- في نظره -، فلم يكونوا يتجاسرون على إلغاء النصوص، وتقديم الآراء والعقول عليها، فإن الإسلام كان في ظهور وقوة، وسوق الحديث نافقة، ورؤوس السنة على ظهر الأرض، ولكن كانوا على ذلك يحومون، وحوله يدندنون ) ) [2] .
ليأتي بعد ذلك الطور الثالث لمدرسة عدم التسليم للوحي ومعارضته بالرأي، وتقديم العقل على النقل، والذي أنتج شر ما سمعت به أمة الإسلام من الكفر والبدع والزندقة والإلحاد، حيث (( جاء ما لا قبل لأحد به، وهم جنود إبليس حقًا المعارضون لما جاءت به الرسل بعقولهم وآرائهم، من القرامطة والباطنية [3] والملاحدة [4] ، ودعوتهم إلى العقل المجرد، وأن أمور الرسل تعارض المعقول، فهم القائمون بهذه الطريقة حق القيام بالقول، فجرى على الإسلام وأهله منهم ما جرى، وكسروا عسكر الخليفة مرارًا عديدة، وقتلوا الحاج قتلًا ذريعًا، وانتهوا إلى مكة فقتلوا بها من وصل من الحاج إليها، وقلعوا الحجر الأسود من مكانه، وقويت شوكتهم، واستفحل أمرهم، وعظمت بهم الرزية، واشتدت بهم البلية، ... وفي زمانهم استولى الكفار على كثيرٍ من بلاد الإسلام في الشرق والغرب، وكاد الإسلام أن ينهد ركنه ) ) [5] .
ثم ذكر ابن القيم ظهور الدولة العبيدية [6] على إثر ذلك وذكر أن في زمانهم صنفت رسائل إخوان الصفا [7] والإشارات، والشفاء وسائر كتب ابن سينا [8] وعطلت مقابل ذلك السنة وكتبها، وصار أهل السنة فيهم
(1) الصواعق المرسلة لابن القيم / الوجه الثامن والثمانون. نشأة الفرق 3/ 1071. باختصار
(2) المصدر السابق / الوجه الثامن والثمانون. نشأة الفرق 3/ 1072 - 1073.
(3) القرامطة: هي إحدى الحركات الباطنية ظاهرها التشيع لآل البيت وحقيقتها الإلحاد، تنتسب إلى شخص يقال له: حمدان قرمط، وأما الباطنية بشكل عام فنسبتهم إلى علم الباطن، حيث يدعون أن للنصوص الشرعية ظاهرًا وباطنًا، ومؤسس دعوتهم ميمون القداح، وحقيقة دعوتهم عدم الإيمان بالرب ولا بالمبدأ ولا بالمعاد وجحود الفرائض، والخروج الكامل عن الإسلام، وهم فرق متعددة منهم النصيرية والدروز واليزيدية والإسماعلية والقرامطة المذكورون سابقًا وغيرهم. [يُنظر: الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي / الفصل السابع عشر من فصول هذا الباب في ذكر الباطنية، ص 281، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة / الحركات الباطنية 1/ 381] .
(4) الملاحدة: هم الذين لا يؤمنون بالله ولا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - أي أنهم بمعنى الزنادقة، وقد سبق التعريف بهم .. وأصل الإلحاد الميل والعدول عن الحق [يُنظر: لسان العرب /لحد 12/ 246، والموسوعة الفقهية الكويتية، لمجموعة من الفقهاء، وزارة الأوقاف الكويتية، 1427 هـ / الملاحدة 7/ 101] .
(5) الصواعق المرسلة لابن القيم / الوجه الثامن والثمانون .. نشأة الفرق 3/ 1074: باختصار.
(6) الدولة العبيدية: هي الدولة التي ابتدأت في المغرب سنة (296 هـ) ، ثم انتقلت إلى مصر سنة (362 هـ) ، وأول حكامها في المغرب عبيد الله المسمى بالمهدي، وفي مصر المعز لدين الله معد، ينتسبون إلى فاطمة وعلي- رضي الله عنهما- وقد أنكر أكثر المؤرخين تلك النسبة، وأما مذهبهم فنسب إليهم نشر الزندقة والإلحاد، والتستر بالتشيع، سقطت الدولة العبيدية عام (567 هـ) [يُنظر: تاريخ الخلفاء، لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي / فصل في الدولة الخبيثة العبيدية 1/ 219] .
(7) إخوان الصفا: هو اسم نسبت إليه رسائل عرفت برسائل إخوان الصفا، ومؤلفوها على ما قيل عدد من الفلاسفة اجتمعوا على تصنيفها وهم: أبو سليمان محمد بن معشر البستي ويعرف بالمقدسي (وألفاظ الرسائل له) ، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد النهرجوري، والعوفي، وزيد بن فاعة، وعدد هذه الرسائل إحدى وخمسون رسالة، كل رسالة مستقلة بنفسها، وفيها خرافات وتلفيقات وإيهامات أرادوا بها دس الفلسفة في الشريعة، كما يوجد فيها بعض الحكم والأمثال الدينية [يُنظر تتمة صوان الحكمة- لعلي بن زيد ظهير الدين البيهقي، ت رفيق العجم، بيروت، 1993 م / فصل اخوان الصفا 1/ 4، وأخبار العلماء بأخبار الحكماء، لعلي بن يوسف القفطي، ت أبو عبيدة مشهور بن حسن أل سلمان، مكتبة التوحيد، ط 1، 1421 هـ اخوان الصفاء .. 1/ 38، وطبقات الفقهاء الشافعية لأبي عمرو ابن الصلاح، ت محيي الدين علي نجيب، دار البشائر الإسلامية - بيروت، 1992 م/ فصل لبيان أشياء مهمة أنكرت على الإمام الغزالي 1/ 256] .
(8) ابن سينا: هو الفيلسوف الشهير الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا البلخي ثم البخاري، أبو علي صاحب التصانيف في الطب والفلسفة والمنطق ولد سنة 370 هـ وتوفي سنة 428 هـ [يُنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي / 356 - ابن سينا 17/ 531] وستأتي له- إن شاء الله- ترجمة أوفى في الفصل الرابع، وكتابا الإشارات، والشفاء، المذكوران كلاهما لابن سينا أيضًا، وموضوعهما علوم الفلسفة والمنطق.