فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 264

وثمة نقولات كثيرة في الباب فيكفينا ما ذكر، مع ملاحظة أن ما يُقرَّر عن العذر بالجهل يقرر مثله عن العذر بالتأويل لأنه فرع عنه كما تقدم، ولذا فإن ابن الوزير في آخر نقلٍ نقلناه جمع بين الجهل والتأويل [1] .

المطلب الثاني:

الخطأ والإكراه

وكثيرًا ما يجمع بينهما ابن القيم - رحمه الله- مثل قوله (( وقد تقدم أن الذي قال لما وجد راحلته(اللهم أنت عبدي وأنا ربك) [2] أخطأ من شدة الفرح لم يكفر بذلك وإن أتى بصريح الكفر، لكونه لم يرده، والمكره على كلمة الكفر أتى بصريح كلمته ولم يكفر لعدم إرادته، بخلاف المستهزئ والهازل، فإنه يلزمه الطلاق والكفر وإن كان هازلًا، لأنه قاصد للتكلم باللفظ وهزله لا يكون عذرًا له، بخلاف المكره والمخطئ والناسي، فإنه معذور مأمور بما يقوله أو مأذون له فيه، والهازل غير مأذون له في الهزل بكلمة الكفر والعقود، فهو متكلم باللفظ مريدٌ له ولم يصرفه عن معناه إكراه ولا خطأ ولا نسيان ولا جهل )) [3] .

إذن فالإكراه عذرٌ ومانع من موانع التكفير والتبديع، والخطأ والنسيان عذران مانعان، والجهل كذلك كما سبق، ولكن ابن القيم استثنى في النص السابق المستهزئ والهازل رغم أن الهازل أو المستهزئ يجتمع من بعض النواحي مع المخطئ والمكره في عدم القصد، حيث لم يقصد حقيقة كلامه ولم يرد معناه على سبيل الجد، إنما قال كلمة الكفر هزلًا أو استهزاءً وهو لا يعتقد معناها، وقد تقدم في الضوابط شيء من التفصيل عن الهازل والمستهزئ، والسبب في استثنائه للهازل والمستهزئ كونهما قاصدين للفظ وليس لهما أي عذر يجيز لهما قول ذلك اللفظ، مما يعني وجود إرادةٍ وقصد للتكلم بذلك اللفظ، ووجود قصدٍ للاستخفاف وإن انتفى قصد إرادة حقيقة المعنى إذْ لا يهزل ولا يستهزئ إلا مستخف انعدم في قلبه التعظيم المشروط لصحة الإيمان، وقد استدل

(1) تنبيه مهم: ادعى بعض الباحثين الذين لا يرون العذر بالجهل في أصول الدين أن ابن القيم لا يرى العذر بالجهل، كما نبه صاحب كتاب (نواقض الإيمان الإعتقادية وضوابط التكفير عند السلف) [يُنظر: 1/ 282 - 283] واستدلوا بقوله - رحمه الله - (( والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، و الإيمان بالله وبرسوله، واتباعه فيما جاء به، فلما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، و إن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارًا، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عنادًا أو جهلًا وتقليدًا لأهل العناد ) ) [طريق الهجرتين لابن القيم / فصل في مراتب المكلفين 1/ 608] وفعلًا قد يظهر من الكلام السابق لأول وهلة عدم إعذار ابن القيم بالجهل، لكن عند العودة إلى سياق كلامه من أوله، يتبين الأمر جليًا، وأن ابن القيم هنا لا يقصد بكلامه المسلم الذي وقع في كفر، إنما يقصد به الكفار الأصليين، ولاريب أن الكافر الأصلي لا يدخل في مسألة العذر بالجهل من حيث التكفير العيني له، لأنه لم يدخل في الإسلام أصلًا، فكفره يقيني لا يدفع استحقاقه لذلك جهل أو تقليد وإن كان قد يعذر عند الله في الآخرة، أما في الدنيا فله أحكام الكفار سواءً كان معاندًا أم جاهلًا بإجماع أهل السنة بل باتفاق الأمة كلها، كما نقل ذلك ابن القيم نفسه ما عدا قولًا شاذًا لبعض أهل البدع.

(2) سبق تخريجه ص 158.

(3) إعلام الموقعين ... لابن القيم / فصل اعتبار النية والألفاظ في الطلاق 4/ 448 - 449.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت