فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 264

ابن القيم عقب التفريق بين المخطئ والمكره من جهة وبين الهازل والمستهزئ من جهةٍ ثانية، بأن الله عذر المكره في تكلمه بكلمة الكفر مادام قلبه مطمئنًا بالإيمان [1] ولم يعذر الهازل بل قال: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [2] } وكذلك لم يؤاخذ المخطئ والناسي [3] .

ويبدو أنها قاعدة مطردة عند ابن القيم بأن الخطأ والإكراه إذا ثبت أحدهما في أي لفظ منع من ترتب حكمه عليه، سواءً كان في بابي التكفير والتبديع أم في غيرهما من الأبواب كالطلاق والعتاق والوقف واليمين والنذر وغيرها بدلالة قوله (( والله سبحانه وتعالى رفع المؤاخذة عن المتكلم بكلمة الكفر مكرها لما لم يقصد معناها ولا نواها، فكذلك المتكلم بالطلاق والعتاق والوقف واليمين والنذر مكرهًا لا يلزمه شيء من ذلك، لعدم نيته وقصده ) ) [4] .

وجملة القول أن كلام ابن القيم - رحمه الله - يدل على تعميم العذر بالإكراه والخطأ، وأنه لا يخص بابي التكفير والتبديع فحسب.

وينبغي التنبه إلى أن هذا التعميم الذي نذكره عن ابن القيم إنما هو في الأقوال فقط، أما الإكراه على الأفعال فلا يصح أن ننسب إلى ابن القيم القول بعموم العذر فيها، لأنه قسم الإكراه على الأفعال (سواء كانت كفرًا أم غير مكفر) إلى ثلاثة أنواع: الأول: مالا يباح بالإكراه ومثَّل على ذلك بقتل المعصوم وإتلاف أطرافه الثاني: ما يبيحه الإكراه بشرط الضمان، ومثَّل عليه بإتلاف مال المعصوم الثالث: مختلف فيه كالإكراه على الزنا والشرب والسرقة، ثم وضع قاعدة: بأن ما أمكن تلافيه أبيح بالإكراه، وما كان ضرره كضرر الإكراه لم يبح به كقتل المعصوم [5] .

وعلى ضوء ذلك يمكن أن نقسم أعمال الكفر إلى قسمين: قسم يمكن تلافيه، وقسم ضرره كضرر الإكراه، فالأول: يباح بالإكراه، والثاني: لا يباح به كقتل النبي مثلًا فهو عمل كفري ولا يمكن تلافيه، بل ضرره أعظم من ضرر الإكراه فلا يمكن القول بإباحته به، وهذا هو الفرق الجوهري بين الأقوال والأفعال، أن الأفعال في الأصل كما نص ابن القيم (( إذا وقعت لم ترتفع مفسدتها بل مفسدتها معها، بخلاف الأقوال فإنها يمكن

(1) في إشارة إلى قوله تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا ... ) النحل: 106.

(2) التوبة: 65.

(3) يُنظر: إعلام الموقعين لابن القيم / إلزام المستهزئ الهازل 4/ 448.

(4) المصدر السابق / فصل موجبات الإيمان والإقرار والنذور 4/ 428، ويُنظر أيضًا / فصل العبرة بالقصد لا بالألفاظ 3/ 279، موجبات الإيمان والأقارير والنذور 4/ 428.

(5) يُنظر: إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان لابن القيم / الوجه السابع، ص 50، ويُنظر أيضًا: زاد المعاد ما يباح للمكره ومالا يباح 5/ 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت