فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 264

المطلب الأول:

آثار البدعة

ويجدر التنبيه - ابتداءً- إلى أن آثار البدعة التي تكلم عنها ابن القيم في كتبه، هي في نفس الوقت آثار للكفر - من باب أولى -، سواءً كانت آثارًا ظاهرة على الجوارح، أم باطنةً في القلب، وسواءً كانت آثارًا على الفرد أم على المجتمع، في الدنيا، أم في الآخرة، ولهذا بدأنا بآثار البدعة وكل أثر للبدعة هو أثر للكفر، ومن هذه الآثار ما يمكن إيجازه في الفروع الآتية:

الفرع الأول: التنقص للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولما جاء به:

وهنا قاعدة عظيمة يضعها ابن القيم قائلًا (( فلا تجد مشركًا قط، إلا وهو متنقص لله سبحانه وإن زعم أنه يعظمه بذلك، كما أنك لا تجد مبتدعًا إلا وهو متنقص للرسول - صلى الله عليه وسلم - وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة، فإنه يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب، أو يزعم أنها هي السنة إن كان جاهلًا مقلدًا، وإن كان مستبصرًا في بدعته فهو مشاق لله ورسوله، فالمتنقصون المنقوصون عند الله تعالى ورسوله وأوليائه: هم أهل الشرك والبدعة ) ) [1] إذنْ ليس بالضرورة أن يصرح المبتدع بإرادة التنقص للرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو أن يظهر منه الطعن والانتقاص اللفظي لما جاء به كما يرى ابن القيم. وقال أيضًا في تتمة كلامه السابق عن أهل الشرك والبدعة (( والمقصود: أن هاتين الطائفتين هم أهل التنقص في الحقيقة، بل هم أعظم الناس تنقصًا لبس عليهم الشيطان حتى ظنوا ان تنقصهم هو الكمال، ولهذا كانت البدعة قرينة الشرك في كتاب الله تعالى ) ) [2] .

الفرع الثاني: القصور في فهم نصوص القرآن والإعراض عنها والنفرة منها:

فعندما ناقش ابن القيم في كتابه (بدائع الفوائد) مسألة توسع النفي في لفظ (لا) النافية وقصوره في (لن) ، أشار إلى ما وقع فيه المبتدعة من عدم فهم كلام الله على الوجه الصحيح، كأثر من آثار البدعة، وتحدث عن (( قصور المعتزلة في فهم كلام الله تعالى حيث جعلوا لن تدل على النفي على الدوام واحتجوا بقوله {لَن تَرَانِى} [3] وعلمت بهذا أن بدعتهم الخبيثة حالت بينهم وبين فهم كلام الله كما ينبغي، وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوبًا عن فهم القرآن ) ) [4] إذنْ فالعلة التي علل بها ابن القيم انحراف المعتزلة أن كل صاحب بدعة تجده محجوبًا عن فهم القرآن، وربما جرته البدعة إلى أعظم من ذلك، ألا وهو النفرة من النصوص والإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها ابتداءً، خاصة تلك التي تخالف بدعته.

قال ابن القيم شارحًا هذا الحال (( إذا سمعوا شيئًا من آيات الصفات وأحاديث الصفات، المنافية لبدعتهم رأيتهم عنها معرضين، كأنهم حمُرٌ مستنفرة فرت من قسورة ..(إلى قوله) ولذلك تجد أعداء أصحاب رسول الله-

(1) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم / فصل فيما في الشرك والزنا ... 1/ 88 - 89.

(2) المصدر السابق 1/ 89.

(3) الأعراف: 143.

(4) بدائع الفوائد لابن القيم / فائدة بديعة في دخول أن الفعل 1/ 167 - 168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت