منهم عند الصدمة الأولى، ولهذا قال بعض السلف: ما ابتدع أحد بدعة إلا خرجت حلاوة الحديث من قلبه، وقال بعض رؤساء الجهمية إما بشر المريسي [1] أو غيره ليس شيء أبغض لقولنا من القرآن فأقروا به ثم أولوه، وقال بشر أيضًا إذا احتجوا عليكم بالقرآن فغالطوهم بالتأويل، وإذا احتجوا بالأخبار فادفعوها بالتكذيب )) [2] .
(( فقلوب أهل البدع، والمعرضين عن القرآن، وأهل الغفلة عن الله، وأهل المعاصي في جحيم قبل الجحيم الأكبر ) ) [3] ولاشك أن هذا الجحيم الذي يعيش فيه القلب يتفاوت بحسب درجة المعصية، ومادامت البدعة هي أعظم المعاصي بعد الشرك، فإن أعظم جحيم وعذاب للقلب بعد جحيم أهل الشرك ما يلاقيه أهل البدع، وقد استدل ابن القيم على أن الجحيم يكون في الدنيا ويكون في الآخرة بقوله تعالى {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ} [4] ، وعقب على ذلك بقوله (( هذا في دورهم الثلاث ليس مختصًا بالدار الآخرة، وإن كان تمامه وكماله وظهوره: إنما هو في الدار الآخرة ) ) [5] .
فإن قال قائل فلماذا لا يحسون في أكثر الأوقات بما يعانيه القلب من عذاب وآلام؟؟ فالجواب عن ذلك: بأن لديهم مانعًا يمنع من الإحساس بتلك العذابات والآلام وهو ما سماه ابن القيم (( الاستغراق في سكرة الشهوات ) ) [6] .
الفرع الرابع: موت القلب وظلمته:
على عكس ما عليه صاحب السنة (( فصاحب السنة حي القلب مستنيره، وصاحب البدعة ميت القلب مظلمه، وقد ذكر الله سبحانه هذين الأصلين في كتابه في غير موضع، وجعلهما صفة أهل الايمان، وجعل ضدهما صفة من خرج عن الإيمان ) ) [7] هكذا قال- رحمه الله- ودلل على ذلك بقوله تعالى {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [8] وقال بعدها: (( فسمى وحيه وأمره روحًا، لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح، وسماه نورًا لما يحصل به من الهدى، واستنارة القلوب، والفرقان بين الحق والباطل ... ولهذا ترى صاحب اتباع الأمر والسنة قد كسي من
(1) هو بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسي بفتح الميم وكسر الراء، فقيه حنفي معتزلي متكلم عارف بالفلسفة رمي بالزندقة، توفي سنة (218 هـ) وقيل (219 هـ) [يُنظر: وفيات الأعيان لابن خلكان/ بشر المريسي 1/ 277، والأعلام للزركلي / بشر المريسي 2/ 55] .
(2) الصواعق المرسلة لابن القيم / الوجه الثمانون بيان أن من قدم العقل على .. /1037 - 1038.
(3) مدارج السالكين لابن القيم / فصل المشهد التاسع: مشهد زيادة الإيمان .... 1/ 423.
(4) الانفطار: 13 - 14.
(5) مدارج السالكين لابن القيم / فصل المشهد التاسع: مشهد زيادة الإيمان .... 1/ 423.
(6) المصدر السابق 1/ 423.
(7) اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم / فصل وهذه النعمة المطلقة هي التي يفرح بها في الحقيقة القسم الثاني، ص 39.
(8) الشورى: 52.