فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 264

فمهما كانت الآثار لهما متقاربه، غير أنها في الكفر أشد ظهورًا، وأعم تأثيرًا، وهي في الكفر أكمل وأشمل منها في البدعة، ففي البدعة بداية تلك الآثار وفي الكفر منتهاها، وفي البدعة بداية الولوج، وفي الكفر التمكن فيها دون خروج، لذا قال ابن القيم عن البدعة (( وهي باب الكفر والشرك ) ) [1] .

الفرع الثاني: ذهاب الإيمان والخير كله بالكفر

قال- رحمه الله- (( ولا يغطي الإيمان ويحيط به ويلبسه إلا الكفر، ومن هذا قوله تعالى: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2] } فإن الخطيئة لا تحيط بالمؤمن أبدًا، فإن إيمانه يمنعه من إحاطة الخطيئة به ) ) [3] ومعنى ذلك أن الكفر سبب لإحاطة الخطيئة بالعبد وهي الإحاطة التي يصدر عنها كل شر، وينتج عنها كل أثر سيئ، لأن صاحبها قد غُطِى مصدر خيره - وهو الإيمان - وأحيط به من جميع جهاته، واستبَدَل بدله الظلم والشر والعدوان. كما قال تعالى {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ... [4] } قال ابن القيم

(( ولُبس الشيء بالشيء تغطيته له وإحاطته به من جميع جهاته ) ) [5] بل كل الشرور والآثار السيئة في الدنيا والآخرة ... إنما هي نتيجة حتمية للكفر، وصدق الله {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِى إِلَّا الْكَفُورَ} [6] ، وهذ هو الفارق بين البدعة والكفر- مع اشتراكهما في أصل كثير من الآثار- إلا أن الكفر يفترق عن البدعة في قوة تلك الآثار، وحتميتها وشدة تأثيرها، وقد أشار ابن القيم إلى هذ الفارق حين تحدث عن الوحشة الناتجة عن الذنوب فقال (( ومن عقوباتها أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب ... وكلما غلظ الحجاب زادت الوحشة، فالغفلة توجب الوحشة، وأشد منها وحشة المعصية، وأشد منها وحشة الشرك الكفر ) ) [7] .

وعليه فالكفر لعظم خطره وضرره لا أمل معه في النجاة إطلاقًا- إن مات العبد على ذلك -، ولا بقاء معه لذرة من إيمان وخير في قلب صاحبه، ولا قبول لأي عملٍ صالح مع الكفر، سواءً كان سابقًا لوقوع الكفر أو لاحقًا لوقوعه، مادام ذلك الكفر باقيًا ومات صاحبه على ذلك.

(1) بدائع الفوائد 2/ 799.

(2) البقرة: 81.

(3) إعلام الموقعين لابن القيم / فصل في شمول نصوص الشريعة .. 3/ 119.

(4) الأنعام: 82.

(5) إعلام الموقعين لابن القيم / فصل في شمول نصوص الشريعة 3/ 119.

(6) سبأ: 17.

(7) الجواب الكافي لابن القيم 1/ فصل الذنوب سبب الرعب والخوف، ص 93 - 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت