والخوارج [1] والقدرية [2] والمرجئة [3] ، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأمة، ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها، دون من قبلهم )) [4] وبنفس المعنى يقول في كتابه الروح (( وهل أوقع القدرية، والمرجئة، والخوارج، والمعتزلة [5] ، والجهمية [6] ، والرافضة [7] ، وسائر الطوائف من أهل البدع، إلا سوء الفهم عن الله ورسوله، حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس، هو موجب هذه الأفهام، والذى فهمه الصحابة ومن تبعهم عن الله ورسوله، فمهجور لا يلتفت اليه، ولا يرفع هؤلاء به رأسًا، ولكثرة أمثلة هذه القاعدة تركناها، فإنا لو ذكرناها، لزادت على عشرة ألوف ) ) [8] .
ويتلخص من هذا أن من عرف ما جاء به الرسول معرفة صحيحة، وعرف ما عند الناس، ثم عرضه على ما جاء به الرسول، حينها سيدرك عِظَم الجناية على الشريعة- أصولًا وفروعًا -، وعِظَم الخطر الذي يهدد الأمة في عقيدتها وأصول دينها وثوابت ملتها، نتيجة سوء الفهم عن الله ورسوله، لاسيما وقد صار الحديث في الشريعة كلأً مباحًا، يتناوله من شاء بما شاء وكيف شاء بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
وهذا السبب يعد امتدادًا للسبب الذي قبله، ونتيجة من نتائجه [9] ، فمن شر عواقب سوء الفهم عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم: التأويل والقياس الفاسدان، وقد ذكر ابن القيم أن لهما من الآفات على الملة والأمة، أكثر من أن تحصى، أو يبلغها وصف واصف، أو يحيط بها ذكر ذاكر. ومما ذكره ابن القيم عن الجناية الناتجة عن
(1) هم في الأصل الذين خرجوا علي الإمام علي بن أبي طالب بعد أن كانوا معه في صفين، و كبار فرقهم ست: الأزارقة والنجدات والعجاردة والثعالبة والإباضية والصفرية، ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي- رضي الله عنهما- وتكفير مرتكب الكبيرة ووجوب الخروج على الإمام إذا خالف السنة [يُنظر: الملل والنحل للشهرستاني / الفصل الرابع الخوارج، ص 114] .
(2) سبق التعريف بهم ص 57.
(3) سبق التعريف بهم ص 58.
(4) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم / الوجه الثامن والثمانون 3/ 1070.
(5) المعتزلة: ويسمون أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية- كما سبق-، ينفون صفات الله، ويقولون بخلق القرآن، وسيأتي تعريف أوفى للمعتزلة في الفصل الرابع- إن شاء الله- [يُنظر: الملل والنحل للشهرستاني / الفصل الأول المعتزلة، ص 43] .
(6) الجهمية: نسبة إلى جهم بن صفوان الترمذي، وأهم عقائدهم إنكار الصفات، والغلو في الإرجاء حيث جعلوا الايمان هو المعرفة بالله فقط .. وسيأتي تعريف لهم أوفى في الفصل الرابع- إن شاء الله- [يُنظر: مقالات الإسلاميين للأشعري / ذكر قول الجهمية 1/ 312، والملل والنحل للشهرستاني / 1 - الجهمية، ص 86] .
(7) سبق التعريف بهم ص 58.
(8) الروح/ فصل: الأمر الثاني أن يفهم عن الرسول ... 1/ 184.
(9) يُنظر: الصواعق المرسلة لابن القيم / الفصل الحادي والعشرون الجالبة للتأويل 2/ 510.