التأويل، قوله رحمه الله في كتاب (الصواعق المرسلة) : (( إذا تأمل المتأمل فساد العالم، وما وقع فيه من التفرق والاختلاف، وما دفع إليه من أهل الإسلام، وجده ناشئًا من جهة التأويلات المستعملة في آيات القرآن وأخبار الرسل، التي تعلق بها المختلفون على اختلاف أصنافهم، في أصول الدين وفروعه، فإنها أوجبت ما أوجبت من التباين والتحارب، وتفرق الكلمة، وتشتت الاهواء، وتصدع الشمل، وانقطاع الحبل، وفساد ذات البين، حتى صار يكفر ويلعن بعضهم بعضًا، ترى طوائف منهم تسفك دماء الأخرين، وتستحل منهم أنفسهم وحرمهم وأموالهم ما هو أعظم مما يرصد به أهل دار الحرب، من المنابذين لهم ) ) [1] .
ويرى في الفصل العاشر من الكتاب نفسه أن التأويل شر من التعطيل (( لأنه يتضمن التشبيه والتعطيل، والتلاعب بالنصوص، وإساءة الظن بها ) ) [2] ثم يجمل تلك الشرور في أربعة أمور، أو أربعة محاذير (يقع فيها المؤولة) :
(( المحذور الأول: اعتقادهم أن ظاهر كلام الله ورسوله المحال الباطل، ففهموا التشبيه أولًا ثم انتقلوا عنه إلى التعطيل.
المحذور الثاني: وهو التعطيل، فعطلوا حقائقها، بناءً منهم على ذلك الفهم الذي يليق بهم، ولا يليق بالرب جل جلاله.
المحذور الثالث: نسبة المتكلم الكامل العلم، الكامل البيان، التام النصح، إلى ضد البيان والهدى والإرشاد، وأن المتحيرين المتهوكين أجادوا العبارة في هذا الباب، وعبروا بعبارة لاتوهم من الباطل ما أوهمته عبارة المتكلم بتلك النصوص, ولاريب عند كل عاقل أن ذلك يتضمن أنهم كانوا أعلم منه، أو أفصح، أو أنصح للناس.
المحذور الرابع: تلاعبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها، فلو رأيتها وهم يلوكونها بأفواههم، وقد حلت بها المثلات، وتلاعبت بها أمواج التأويلات، وتقاذفت بها رياح الآراء، واحتوشتها رماح الأهواء، ونادى عليها أهل التأويل في سوق من يزيد، فبذل كل واحد في ثمنها من التأويلات ما يريد، فلو شاهدتها بينهم وقد تخطفتها أيدي الاحتمالات، ثم قيدت بعدما كانت مطلقة بأنواع الإشكالات، وعزلت عن سلطة اليقين، وجعلت تحت حكم تأويل الجاهلين، هذا وطالما نصبت لها حبائل الإلحاد، وبقيت عرضة للمطاعن والإفساد، وقعد النفاة على صراطها المستقيم، بالدفع في صدورها والأعجاز، وقالوا لا طريق لك علينا، وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز )) [3] .
وبمثل هذه القوة في البيان، والشدة في التحذير ... نجد لابن القيم كلامًا خاصًا عن القياس الفاسد الذي هو فرع من فروع التأويل المخالف، وكلاهما لازمان من لوازم سوء الفهم عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - الموقع في البدعة
(1) الصواعق المرسلة لابن القيم / الفصل الخامس عشر في جنايات التأويل ... 1/ 348 - 349.
(2) المصدر السابق / الفصل العاشر في أن التأويل 1/ 296.
(3) المصدر السابق 1/ 297 - 296.