والضلال، ولابد لحامل لواء التأويل الفاسد، من المرور على طريق القياس الفاسد، إذْ هما متلازمان، يكمل أحدهما الآخر، ويقود السابق منهما إلى اللاحق، ويجر بعضها إلى بعض.
والقاعدة عند ابن القيم أن القياس الفاسد أصل كل شر [1] ويكون بواحدٍ من شيئين، إما التفريق بين المتماثلين، أو التسوية بين المختلفين، لمجرد اشتراكهما في أمر من الأمور (( ومن سوى بين الشيئين لاشتراكهما في أمر من الأمور، يلزمه أن يسوي بين كل موجودين لاشتراكهما في مسمى الوجود، وهذا من أعظم الغلط والقياس الفاسد الذي ذمه السلف، وقالوا أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، وهو القياس الذي اعترف أهل النار في النار ببطلانه، حيث قالوا {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [2] ، وذم الله أهله بقوله {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [3] أي يقيسونه على غيره، ويسوون بينه وبين غيره في الإلهية والعبودية ) ) [4] .
إذنْ بئس السلف والله لأهل القياس الفاسد، حيث قدوتهم الأول إبليس، ثم عبدة الشمس والقمر، ثم سائر المشركين وعبدة الأصنام، ثم انتقل- رحمه الله- إلى من استعمله ممن ينتسب إلى الإسلام حيث عد أن (( كل بدعة ومقالة فاسدة في أديان الرسل فأصلها من القياس الفاسد، فما أنكرت الجهمية صفات الرب، وأفعاله، وعلوه على خلقه، واستواءه على عرشه، وكلامه وتكليمه لعباده، ورؤيته في الدار الآخرة، إلا من القياس الفاسد، وما أنكرت القدرية عموم قدرته ومشيئته، وجعلت في ملكه ما لا يشاء، وأنه يشاء ما لا يكون، إلا بالقياس الفاسد، وما ضلت الرافضة، وعادوا خيار الخلق، وكفروا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، وسبوهم، إلا بالقياس الفاسد، وما أنكرت الزنادقة والدهرية [5] معاد الأجسام، وانشقاق السموات، وطي الدنيا، وقالت بقدم العالم، إلا بالقياس الفاسد، وما فسد ما فسد من أمر العالم، وخرب ما خرب منه إلا بالقياس الفاسد، وأول ذنب عصي الله به القياس الفاسد، وهو الذي جر على آدم وذريته من صاحب هذا القياس ما جر، فأصل شر الدنيا والآخرة جميعه من هذا القياس الفاسد، وهذه حكمة لا يدريها إلا من له اطلاع على الواجب والواقع، وله فقه في الشرع والقدر ) ) [6] ومعنى ذلك أنه لا يدري بما جره القياس الفاسد من شرور إلا من له معرفتان أولاهما: معرفة الحق
(1) يُنظر: إعلام الموقعين لابن القيم / فصل توضيح قول القائل إن الاجارة ... 3/ 205.
(2) الشعراء: 97.
(3) الأنعام: 1.
(4) إعلام الموقعين لابن القيم / فصل أقيسة أبطلها القرآن 3/ 205.
(5) الزنادقة: مفرده زنديق قال في لسان العرب (( الزنديق القائل ببقاء الدهر، فارسي معرب .. ونقل عن التهذيب أن زندقته أنه لا يؤمن بالآخرة ووحدانية الخالق ) ) [يُنظر: لسان العرب لابن منظور / زندق 6/ 91] والفقهاء يطلقون لفظ الزندقة على من يظهر الإسلام ويبطن الكفر [يُنظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية / متى ظهر لفظ الزنديق 4/ 290، 291] وذكر ابن القيم أن الزنادقة لا يؤمنون بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر [يُنظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم / فصل ثم هم بعد الضلال والغي أربعة 2/ 197] .
-وبهذا يكون الدهرية طائفة من الزنادقة حيث يختص هذا اللقب بمن ينكر المعاد ويقول (إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) كما ذكر الله عنهم في كتابه [يُنظر: تفسير ابن كثير / تفسير سورة الجاثية 12/ 363] .
(6) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم / فصل بيان أن الإجارة على وفق 3/ 206.