هذا في الدنيا- طبعًا- أما في الآخرة فظلمةٌ باديةٌ أشد، وسواد على الوجه أفظع لأن يوم القيامة هو يوم ظهور آثار الأعمال في أعظم بروزها وكمالها [1] .
وكثيرًا ما نجد ابن القيم ينقل تفسير ابن عباس لقوله تعالى {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ... } أي (( تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدعة والتفرق ) ) [2] .
الفرع السادس: انهدام الدين والانسلاخ منه تدريجيًا:
قال ابن القيم عن إنكار السلف للبدعة (( ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها، وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض، وحذروا فتنتهم أشد التحذير، وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش والظلم والعدوان، إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد ) ) [3] .
ولقد فقه إبليس ذلك فكانت البدعة أحب إليه من المعصية، ومن كل كبيرة مهما عظمت، (( والظفر به(أي بالعبد) في عقبة البدعة أحب إليه لمناقضتها الدين، ودفعها لما بعث الله به رسوله، وصاحبها لا يتوب منها ولا يرجع عنها، بل يدعو الخلق إليها، والنتيجة معارضة الحق بالباطل، وقلب الحقائق بجعل الحق باطلًا، والباطل حقًا، والإلحاد في دين الله، وتعمية الحق على القلوب، وطلب العوج لصراط الله المستقيم، وفتح باب تبديل الدين جملة )) [4] ويرى ابن القيم أن البدع (( تستدرج بصغيرها إلى كبيرها حتى ينسلخ صاحبها من الدين، كما تنسل الشعرة من العجين ,فمفاسد البدع لا يقف عليها إلا أرباب البصائر، والعميان ضالون في ظلمة العمى، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور ) ) [5] .
المطلب الثاني:
آثار الكفر
لقد بدأنا بآثار البدعة باعتبارها أقل ظهورًا عند الناس، والكثير لا يتصور مالها من الآثار مثل ما يتصور آثار الكفر وأضراره، فكان في ذكر آثار البدعة والتفصيل في ذلك ونقل النقولات، تبيينًا لما قد يخفى من آثار البدعة، واشارةً في نفس الوقت إلى خطر ما فوقها من الكفر بطريق الأولى، أي أننا بدأنا بالأدنى للتنبيه به على الأعلى، فإذا كانت البدعة تؤدي إلى وقوع ما ذكرنا من الأخطار وهي دون الكفر، فالكفر مؤدٍ- ولا بد- إلى تلك الأخطار والآثار وإلى أعظم منها، وبروز هذه الآثار عند الوقوع في الكفر أعظم وأقوى من بروزها عند التلبس بالبدعة.
(1) يُنظر: الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم / خلوف فم الصائم، ص 67.
(2) يُنظر: إعلام الموقعين لابن القيم 2/ 475، القصيدة النونية لابن القيم /خطبة القصيدة 1/ 2، واجتماع الجيوش الاسلامية لابن القيم / فصل أن النعمة المطلقة .. ، ص 39، والصواعق المرسلة لابن القيم / الفصل الثاني والعشرون أنواع الاختلاف 2/ 511.
(3) مدارج السالكين لابن القيم / فصل القول على الله بغير علم 1/ 372.
(4) المصدر السابق / فصل النظر الرابع 1/ 223.
(5) المصدر السابق 1/ 224.