المطلب الأول:
الحكم بالكفر أو البدعة حقٌ خالص لله ثم لرسوله - صلى الله عليه وسلم -
يظن البعض أن التكفير والتبديع حقان آدميان يمكن استعمال المرء لهما إذا شاء، وإسقاطهما متى يشاء، بينما يظن آخرون أن التكفير والتبديع نوعٌ من السباب والتجني على الآخر وإلغائه وأنهما وآيتان من آيات التخلف الحضاري يجب منعهما بإطلاق، وبين هذين القولين قولٌ وسط عدل نبه إليه ابن القيم كما نبه إليه كثير من العلماء والمحققين، وخلاصة هذا القول الوسط أن التكفير وكذا التبديع حقان خالصان لله ثم لرسوله - صلى الله عليه وسلم - [1] ، فليسا في الأصل من المسائل الاجتهادية المحضة التي يدخل فيها الرأي، أو يمكن فيها بالعقل معرفة ما هو كفر أو ما هو بدعة، لأنه حكم سمعيٌ محض يُرجع فيه إلى قول الله وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا مجال فيه لعقلٍ أو ذوقٍ أو رأي أو قياس أو تقليدٍ لأقوال الرجال، ولذا لا عجب أن يصف ابن القيم في النونية من يتجاسر على التكفير والتبديع بدون مستندٍ من الكتاب والسنة إلا التقليد لرؤسائه ومتبوعيه، بأنه قائد زمرة العميان، حيث قال:
والثالث الأعمى المقلد ذينك الر***جلين قائد زمرة العميان
فاللعن والتكفير والتبديع والتـ *** ـضليل والتفسيق بالعدوان
فإذا هم سألوه مستندًا له *** قال اسمعوا ما قاله الرجلان )) [2] .
ويقصد بالرجلين اللذين يستدل هذا الأعمى بقولهما الصنفين الأولين المذكورين قبله، وهما الجاهل المتعالم، والحاسد المعادي، وكلاهما يكفران المخالفين بلا حجة ولا برهان سوى المخالفة لآرائهما، ويتبعهما في ذلك الأعمى المقلد ليصبح اللعن والتكفير والتبديع دينه وديدنه، شأنه في ذلك شأن من قلده من المتعالمين الجهلة الذين ينطبق على أحدهم قول ابن القيم:
فظ غليظ جاهل متعالم *** ضخم العمامة واسع الأردان
متفيهق متضلع بالجهل ذو *** صلع وذو جلح من العرفان
مزجى البضاعة في العلوم وإنه *** زاج من الإيهام والهذيان )) [3]
بمعنى ليس له من العلم والمعرفة شيء يذكر، إنما غاية علمه ومعرفته وهم وهذيان، قد تضلع من الجهل ما يكفيه وما يوجب عليه الصمت إلى يوم الدين، ومع ذلك:
(( ما عنده علم سوى التكفير والتـ *** ـبديع والتضليل والبهتان ) ) [4]
(1) المقصود بالتكفير والتبديع الذين هما حقان لله ثم لرسوله: الحكم على القول أو الفعل بأنه كفر أو بدعة، وهذا وإن كان من التكفير والتبديع المطلقين إلا أنه شرط أساسي لتكفير المعين وتبديعه، لأن أول ما يجب التأكد منه عند تكفير المعين أو تبديعه هو: هل حكم الله أو رسوله بأن هذا القول أو الفعل الذي صدر من المعين كفر أو بدعة أم لا؟.
(2) القصيدة النونية لابن القيم/ فصل في حال العدو الثالث، ص 367 - 364.
(3) المصدر السابق / فصل في رغبة قائلهما .... ، ص 361 - 362.
(4) المصدر السابق، ص 362.