فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 264

إذن القاسم المشترك بين الأعمى المقلد، وبين قدوته الفظ الغليظ الجاهل، الإقدام على التكفير والتبديع بلا علم ولا دليل من كتابٍ أو سنةٍ، مما يؤكد أن لا نجاة من هذه الحال إلا بمعرفة خطورة شأن التكفير والتبديع، وأنهما حقان لله ثم لرسوله لا يجوز الإقدام عليهما ولا الإحجام عنهما إلا بدليل من الكتاب أو السنة، ولا يكفي في ذلك بل ولا يصح الاستناد إلى مجرد قول فلانٍ أو علان، ولو لم يكف في الدلالة على ذلك إلا قول ابن القيم في النونية:

الكفر حق الله ثم رسوله *** بالنص يثبت لا بقول فلان

من كان رب العالمين وعبده *** قد كفراه فذاك ذو الكفران

فهلم ويحكم نحاكمكم إلى *** النصين من وحي ومن قرآن )) [1]

فالمطلوب عند ابن القيم فقط أن نكفر من كفره الله ورسوله، ونمتنع عن تكفير من لم يكفره الله ورسوله، وما سوى ذلك إلا التكفير بالرأي والهوى دون دليلٍ من الكتاب والسنة، وقد عده ابن القيم في إعلام الموقعين كبيرة من الكبائر [2] .

ومما يدل على ذلك أيضًا شدة ابن القيم وتغليظه العبارة على أحد العلماء الكبار بسبب إطلاق حكم التكفير على من قال بحرمة الشحوم على اليهود بعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يسلموا، وإليك عبارته - رحمه الله- (( وأما سؤال ابن حزم هل الجمل [3] والشحم اليوم حرام عليهم أم حلال لهم فإن قالوا حرام عليهم كفروا، وإن قالوا حلال تركوا قولهم، فكلام متهور مقدم على تكفير من لم يكفره الله ورسوله، وعلى التكفير بظنه الفاسد، ولا يستحق هذا الكلام جوابًا لخلوه عن الحجة ) ) [4] ،

فإذا كان هذا كلام ابن القيم في حق عالم كبير [5] أخطأ - متأولًا- في إطلاق حكم التكفير، فكيف بمن يجازف في ذلك بلا أثارةٍ من علمٍ وبلا عذرٍ من تأويلٍ واجتهاد [6] .

(1) القصيدة النونية لابن القيم / فصل في الرد عليهم في تكفيرهم ... ، ص 277.

(2) يُنظر: إعلام الموقعين لابن القيم / فصل تعدد الكبائر 6/ 577.

(3) الجمل: بتسكين الميم وقبلها جيم مفتوحة هو الإذابة والمقصود به إذابة الشحم [ينظر: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، لمحمد بن علي الشوكاني / باب ما جاء في بيع النجاسة 8 م 174] .

(4) أحكام أهل الذمة لابن القيم / فصل حكم الشحوم المحرمة عليهم 1/ 265.

(5) فإن ابن القيم يسميه حافظ الغرب وإمام أهل الظاهر في وقته. [يُنظر إعلام الموقعين/ فصل عن الطلاق الثلاث جملة واحدة 3/ 345] .

(6) والناس في التكفير والتبديع طرفان ووسط:

الأول: طرف غالى وتشدد وأفرط وهذا الطرف على قسمين:

-قسم غالى في التكفير المطلق وفي تكفير المعين وفي التبديع المطلق وتبديع المعين .. فسمح لنفسه أن يكفر أو يبدع لمجرد المخالفة .. دون النظر في مستند ذلك من الكتاب والسنة .. ودون النظر في توفر الشروط والخلو من الموانع .. وكأن التكفير والتبديع عند هذا القسم حقان للآدمي يستخدمهما متى شاء ضد خصومه ومخالفيه .. وهذا ما وقع فيه الخوارج والمعتزلة وكثير من متعصبة الفرق

-وقسم ثان أقل غلوًا .. غالى في تكفير وتبديع المعين فقط، ولم يغال في التكفير والتبديع المطلقين إذ لا يحكم إلا بكفر من كفره الله ورسوله وتبديع من بدعه الله ورسوله .. لكنه في تكفير المعين أطلق القول بكفر من وقع في مكفر وابتداع من وقع في بدعة دون مراعاة للشروط والموانع، وهذا يقع فيه حت بعض المتسننة.

الطرف الثاني: قصر وتساهل وفرط فمنع من التكفير والتبديع بالكلية وهو أيضًا قسمان:

-قسم منع من التكفير والتبديع سواء كان مطلقًا أم لمعين .. ورأوا أنه ليس لأحد الحق في الحكم بأن هذ كفر أو بدعة مهما دل الدليل من الكتاب والسنة على ذلك. وليس لأحد تكفير معين ولا تبديعه مهما توفرت الشروط وانتفت الموانع .. وهذا منتهى التفريط في هذا الباب، ولعمر الله ما بعده من تفريط .. وهو ما يدعو إليه أهل العلمنة ودعاة حرية الرأي والتعبير والمعتقد، وسبقهم إلى ذلك غلاة المرجئة، وحقيقة هذا القول رد حكم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

-وقسم منع من تكفير المعين وتبديعه بتاتًا .. مع إقراره بالتكفير والتبديع المطلقين .. وأن هناك أقوالًا وأفعالًا مكفرة وأخرى مبدعة نص عليها الشارع .. لكنه لا يرى تكفير معين ولا تبديعه وإن توفرت الشروط وانتفت الموانع .. وربما سمح بذلك للقضاة فقط دون غيرهم بحجة أننا دعاة لا قضاة.

وأما القول الوسط: فهو قول الصحابة وأئمة الهدى من أهل السنة والجماعة .. وخلاصته ألا نكفر ونبدع بإطلاق إلا من كفره أو بدعه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .. وألا نكفر ونبدع معينًا وقع في كفر أو بدعة إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع، وهذا ما سيتبين لنا في المباحث الآتية - بإذن الله - مما قرره ابن القيم وغيره من العلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت