سمي كفرًا، هل انتفاؤه شرط لصحة الإيمان أم لا؟ فإن كان انتفاؤه شرطًا لصحة الإيمان فالإطلاق يقتضي التسمية بالكل والوقوع في الكفر المطلق كترك الصلاة، وإن لم يكن انتفاؤه شرطًا في صحة الإيمان، كان وقوعًا في مطلق الكفر لافي الكفر المطلق كما في الحلف بغير الله، وبهذا يبقى مجرد إطلاق لفظ الكفر على قولٍ أو فعل أو إطلاق الفعل بأن من فعل كذا فقد كفر ليس دالًا بالضرورة على الوقوع في الكفر المطلق المخرج من الدين [1] .
لأن هناك فرقًا بين القول وبين قائله فالقول يكون ردةً وكفرًا أكبر، لكن قائله قد يكون معذورًا بجهل أو تأويل أو عدم قصد أو نحو ذلك من الأعذار، وقد سبقت أمثلة على ذلك ذكرها ابن القيم [2] ، والقصد هنا أن التصريح بكون الأمر الفلاني ناقضًا من نواقض الإسلام، أو أن من قال كذا أو فعل كذا فقد كفر وخرج من ملة الإسلام، أو أن القول الفلاني ردة عن الدين، كل هذه الألفاظ وما يشابهها مما فيه تصريح بوقوع الكفر الأكبر لا يستلزم ثبوت ذلك في حق المعين إذا قال ذلك القول أو فعل ذلك الفعل حتى توفر شروط وتنتفي موانع، وما نقلناه عن ابن القيم في الفصل السابق من ذكر أقوال وأعمال مكفرة لا يعني بالضرورة أن كل من وقع في واحدٍ من تلك الأقوال أو الأعمال فهو عنده كافر دون النظر إلى حاله وقصده، ودون التفريق بين شخصٍ وآخر، ومثل ذلك التبديع، فكون القول أو الفعل بدعة لا يستلزم اعتبار قائله أو فاعله مبتدعًا.
الفرع الثالث: إطلاقات لا تستلزم حملها على ظاهرها في كل حين:
وأكثر ما يكون ذلك في باب التكفير على وجه الخصوص حيث ثمة ألفاظ الأصل فيها أنها تقتضي الوقوع في الكفر الأكبر بحسب ظاهرها، لكنها في المقابل قد تستعمل أحيانًا ولا يراد بها التكفير، فوجب بذلك معرفة كل ما تستعمل فيه، ثم النظر في القرائن اللفظية والسياقية والحالية عند إرادة تحديد أحد الاستعمالات لذلك اللفظ، ويمكن الاكتفاء من ذلك بمسألتين:
المسألة الأولى: حبوط العمل: فمعلوم أن حبوط العمل لا يكون في الأصل إلا عند وجود الشرك أو الكفر الاكبرين كقوله: تعالى {وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ .. } [3] وكقوله عز شأنه {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [4] فالشرك في الآية الأولى هو الشرك الأكبر [5] .
(1) يُنظر: الصلاة وحكم تاركها لابن القيم / فصل وهاهنا أصل آخر وهو أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان، ص 48 - 49.
(2) مثل حديث الرجل الذي قال (( اللهم أنت عبدي وأنا ربك .. ) )فلم يكفر رغم قوله كلمة الكفر كما سبق.
(3) الزمر: 65.
(4) محمد: 9.
(5) لأن الآية نزلت حين دعا المشركون رسو الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يعبد آلهتهم، ويعبدون معه إلهه [يُنظر: جامع البيان في تأويل القرآن ـ للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ت عبد الله بن عبد المحسن التركي، مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، ط 1، 1422 هـ 20/ 243 - 244، تفسير القرآن العظيم، للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير، ت مصطفى السيد محمد وآخرين، مؤسسة مكتبة أولاد الشيخ للتراث، ط 1، 1421 هـ 7/ 112] .