وأما الشق الثاني (الأحكام) : فيعني ما يترتب على تلك الأسماء من إكرام أو إهانة في الدنيا، واستحقاق للجنة أو النار في الآخرة، وإلى ذلك أشار ابن تيمية بقوله (فالخوارج والمعتزلة يقولون صاحب الكبائر الذي لم يتب منها مخلد في النار ليس معه شيء من الإيمان، ثم الخوارج تقول هو كافر، والمعتزلة توافقهم على الحكم لا على الاسم، والمرجئة تقول هو مؤمن تام الإيمان لا نقص في إيمانه، بل إيمانه كإيمان الأنبياء والأولياء، وهذا نزاع في الاسم، ثم تقول فقهاؤهم ما تقوله الجماعة في أهل الكبائر، منهم من يدخل النار، وفيهم من لا يدخل ... فهؤلاء لا ينازعون أهل السنة والحديث في حكمه في الآخرة، وإنما ينازعونهم في الاسم) [1] .
ومثله ما سبق نقله عن ابن القيم حين ذكر عن المعتزلة قولهم بالخلود في النار لمرتكب الكبيرة الذي لم يتب منها، ومن رجحت سيئاتهم على حسناتهم، وإن لم يسموهم كفارًا، فقد قال بعد ذلك (فوافقوا الخوارج في الحكم، وخالفوهم في الاسم، ولهذا تسمى هذه المسألة من مسائل الأسماء والأحكام .. ) [2] فجعل اتفاقهم في تخليده في النار اتفاقًا في الحكم، وجعل تباينهم في ما يسمى به في الدنيا اختلافًا في الاسم.
ويقول شارح العقيدة الواسطية (والمراد بالأسماء هنا أسماء الدين مثل مؤمن ومسلم وكفار وفاسق .. الخ والمراد بالأحكام أحكام أصحابها في الدنيا والآخرة) [3] .
المطلب الثالث:
أهمية مسائل الأسماء والأحكام
ويمكن تلخيص الأهمية في الفروع الآتية:
الفرع الأول: أنها من أصول الدين، وأول ما وقع فيه الخلاف بين المسلمين:
فقد قال ابن تيمية - رحمه الله - مقررًا هذه الحقيقة (وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة ومن سلك سبيلهم في مسائل الأسماء والأحكام، والخلاف فيها أول خلاف حدث في مسائل الأصول .. ) [4] ويقصد بالأصول- هنا- أصول الدين.
وقال في موضع آخر (كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق الملي، وهو أول اختلاف حدث في الملة هل هو كافر أو مؤمن؟) [5] .
(1) منهاج السنة النبوية لابن تيمية، ت محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، ط 1 1406 هـ ق 6/ 93.
(2) طريق الهجرتين لابن القيم / فصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة 1/ 568
(3) شرح العقيدة الواسطية، لمحمد خليل هراس، ت علوي السقاف، دار الهجرة، ط 3 1415 هـ/ أهل السنة وسط بين الفرق في باب أسماء الإيمان، ص 190.
(4) شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية/ فصل ثم قال المصنف والدليل على نبوة الأنبياء المعجزات 1/ 175.
(5) مجموع الفتاوى لابن تيمية، ت عامر الجزار - أنور الباز، مكتبة العبيكات، ط 1 1419 هـ / بيان ما اعترض به المتنازعون بعد قراءة الوسطية 2/ 118.