فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 264

كأهل الذمة بين المسلمين، وكل ذلك تحت شعار تقديم العقل على النقل [1] ، حتى قيض الله مجيء نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي ونهضة الأمة على أيديهما (( فأبل الإسلام من علته بعدما وطن المسلمون أنفسهم على العراء، وانتعش بعد طول الخمول حتى استبشر أهل الأرض والسماء، وأبدر هلاله بعد أن دخل في المحاق، وثابت إليه روحه بعدما بلغت التراقي وقيل من راق، واستنقذ الله سبحانه بعبده وجنوده بيت المقدس من أيدي عبدة الصليب، وأخذ كل من أنصار الله ورسوله من نصرة دينه بنصيب، وعلت كلمة الإسلام والسنة وأذن بها على رؤوس الأشهاد، ونادى المنادي يا أنصار الله لا تنكلوا عن الجهاد، فإنه أبلغ الزاد ليوم المعاد فعاش الناس في ذلك النور مدة ... ) ) [2] .

لكن تلك المدة لم تطل، حتى عادت الظلمة إلى الشرق مرةً أخرى بعودة أصحاب هذه المدرسة مرةً أخرى، فكان الطور الرابع أو الظهور الرابع لهم في تاريخ المسلمين، إبان سقوط الخلافة العباسية ومجيء التتار، وفي هذه الفترة (( استولت الظلمة على بلاد الشرق، وطغى نور النبوة والوحي، وقدموا العقول والآراء والسياسة والأذواق والرأي على الوحي، فظهرت فيهم الفلسفة والمنطق وتوابعها، فبعث الله عليهم عبادًا له أولي بأس شديد [3] فجاسوا خلال الديار، وعاثوا في القرى والأمصار، وكاد الإسلام أن يذهب اسمه، وينمحي رسمه، وكان مشار هذه الفرقة وعالمها الذي يرجعون إليه، وزعيمها الذي يعولون عليه، شيخ شيوخ المعارضين بين الوحي والعقل، وإمامهم في وقته نصير الكفر والشرك الطوسي [4] ، فلم يعلم في عصره أحد عارض بين العقل والنقل معارضته، فرام إبطال السمع بالكلية وإقامة الدعوة الفلسفية، وجعل الإشارات بدلًا عن السور والآيات ...

(1) ينظر: الصواعق المرسلةلابن القيم / الوجه الثامن والثمانون .. نشأة الفرق 3/ 1075.

(2) المصدر السابق / الوجه الثامن والثمانون .. نشأت الفرق 3/ 1076 - 1077.

(3) يقصد بهم التتار.

(4) هو: الخواجا نصير الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحسن الطوسي الفيلسوف صاحب علوم الرياضي والرصد، وكان رأسًا في الإرصاد، ومنجمًا أخذ العلم عن كمال الدين بن يونس الموصلي ومعين الدين سالم بن بدران المصري المعتزلي، ولد سنة (597 هـ) بطوس، وابتنى بمراغة قبة ورصدًا عظيمًا، وقرر منجمين لرصد الكواكب واتخذ خزانة ملأها بالكتب المنهوبة من الشام وبغداد نحو 400 ألف مجلد، وكان وزيرًا لهولاكو وذا مكانة عظيمة عنده، قدم من مراغة إلى بغداد وأقام بها مدة أشهر ثم مات سنة 672 هـ، ودفن في مشهد الكاظم، ومن تصانيفه: كتاب المتوسطات بين الهندسة والهيئة والتجريد في المنطق [يُنظر: الوافي بالوفيات / الخواجا نصير الدين 1/ 79، والأعلام للزركلي، والنصير الطوسي 7/ 31] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت