فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 264

وقد شرح ابن القيم أطوار أولئك المتبعين للهوى في الماضي .. وكيف تدرج بهم الحال في معارضة الوحي بالرأي، وتقديم العقل على النقل حتى وقعوا في ضلالات الفلسفة والتجهم، ثم سقطوا أخر الأمر في مستنقعات الكفر والإلحاد قال - رحمه الله- (( فمضى الرعيل الأول(أي الصحابة) في ضوء ذلك النور (أي نور الوحي) لم تطفئه عواصف الأهواء، ولم تلتبس به ظلم الآراء، وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم، وأن لا يخرجوا عن طريقهم، فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأمة، ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدعِ أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها والاستبداد بما ظهر لهم منها ... فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولًا، مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم [1] ، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه، ولهذا كان يسمى مروان الجعدي، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة، وشتتهم في البلاد، ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة )) [2] وهذا هو الطور الأول لمدرسة تقديم العقل على النقل الذي انتهى بقتل الجعد بن درهم على يد خالد بن عبدالله القسري أمير العراق، علمًا أن تقديم العقل على النقل، ومعارضة الوحي بالرأي لا يكون إلا نتيجة نقص التسليم للوحي أو عدمه. لذا علق ابن القيم على قول الله {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [3] بالقول: (( فأقسم سبحانه بنفسه أنا لا نؤمن حتى نحكم رسول الله في جميع ما شجر بيننا، وتتسع صدورنا بحكمه فلا يبقى منها حرج، ونسلم لحكمه تسليمًا فلا نعارضه بعقل ولا رأي ولا هوى ولا غيره ) ) [4] إذن المعارضة للوحي منافية للتسليم، وناتجة عن نقصه أو انعدامه بحسب ما هو موجود منها.

ثم جاء الطور الثاني لهذه المدرسة في أول المئة الثالثة، عندما ولي على الناس الخليفة العباسي عبدالله المأمون، وكان كما ذكر ابن القيم (( يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامرًا بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية مما كان أبوه الرشيد قد أقصاهم ... فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه، فقبلها

(1) الجعد بن درهم: مؤدب آخر خليفة أموي المسمى بـ (مروان الحمار) ، وأصله من حران، وهو أول من قال بأن الله لا يتكلم، وعنه أخذ الجهم بن صفوان مقالة خلق القرآن كما قيل، عداده في التابعين، واتهم بالزندقة، وضحى به والي العراق خالد بن عبد الله القسري في حدود سنة 120 هـ [يُنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي / 192 - الجعد بن درهم 10/ 34، والوافي بالوفيات للصفدي /الجعد بن درهم 4/ 13] .

(2) الصواعق المرسلة لابن القيم / الوجه الثامن والثمانون .. نشأة الفرق 3/ 1070 - 1071: باختصار. *فتأمل آثار البدعة ولا سيما بدعة التعطيل والتجهم رغم أنها في عهد الجعد بن درهم كانت لا تزال في مهدها، وأتباعها قليلون مقموعون، ومع ذلك دمرت مملكة دان لها العالم الإسلامي كله لمدة تزيد على ثمانين عامًا بسبب تلك البدعة.

(3) النساء: 65.

(4) الصواعق المرسلة لابن القيم / الوجه السابع عشر: إن الله سبحان قد تمم الدين بنبيه 3/ 828.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت