لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء وأن منها تتنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين وأن من السماء نزلت الكتب وإليها كان الاسراء بالنبي حتى قرب من سدرة المنتهى
قال وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله وملائكته في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفسها هي أنهم اعتقدوا أن اثبات الجهة توجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية قال ونحن نقول أن هذا كله غير لازم فالجهة غير المكان وذلك أن الجهة هي إما سطوح نفس الجسم المحيط به هيئة وبهذا نقول أن للحيوان فوقا وسفلا ويمينا وشمالا وأماما وخلفا وإما سطوح جسم آخر يحيط بالجسم من الجهات الست فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم أصلا وأما سطوح الجسم المحيط به فهي له مكان مثل سطوح الهوى المحيط بالانسان وسطوح الفلك المحيطة بسطوح الهوى هي أيضا مكان الهوى وهذه الأفلاك بعضها محيط ببعض ومكان له وأما سطح الفلك الخارج فقد برهن أنه ليس بخارجة جسم لأنه لو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون خارج فلك الجسم أيضا جسم آخر ويمر الأمر إلى غير نهاية فإذا سطح آخر أجسام العالم ليس مكانا أصلا إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم يمتنع وجوده فإذا قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم فالذي يمتنع وجوده هناك هو عكس ما ظنه القوم وهو موجود وهو جسم لا موجود ليس بجسم وليس لهم أن يقولوا أن خارج العالم خلاء وذلك أن الخلاء قد تبين في العلوم النظرية امتناعه لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيء أكثر من الأبعاد ليس فيها جسم أعني طولا وعرضا وعمقا لأنه إن رفعت الأبعاد عنه عاد عدما وإن أنزل الخلاء لخلاء موجود لزم أن تكون أعراض موجودة في غير جسم وذلك أن الأبعاد هي أعراض من باب الكمية ولا بد ولكنه قد قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة أن ذلك هو مسكن الروحانيين ويريدون الله والملائكة وذلك أن ذلك الموضع ليس بمكان ولا يجوز أن يحويه زمان وكذلك إن كان كل ما يحويه