الأوّل: الاحتجاج بقول الصحابيّ لا يعني القول بعصمته وجعله بمنزلة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - [1] ؛ لأن الاحتجاج بقوله ليس لذاته بل للقرينة المحتفّة به - وهي عدم العلم بالمخالِف -، ولذلك فإنه لو خالفه غيره من الصحابة لم يكنْ قوله حجّةً.
الثاني: الاحتجاج بقول الصحابيّ لا يعني ترك الرجوع إلى الكتاب والسنّة [2] ؛ لأن الرجوع إلى قول الصحابيّ لا يجب إلا إذا لم يوجد النصّ، وقول الصحابيّ - الذي لم يخالَف - لا يخالف النصّ [3] .
الثالث: الاحتجاج بقول الصحابيّ لا يعني إبطال القياس [4] ؛ لأن قول الصحابيّ - الذي لم يخالَف - لا يخالف القياس الصحيح [5] .
(1) هذا جوابٌ عن قول مَن يرى عدم الاحتجاج: (الصحابيّ من أهل الاجتهاد، والخطأ جائزٌ عليه لكونه غير معصومٍ وفاقًا، فلم يكن الأخذ بقوله واجبًا كغيره من المجتهدين) ، وقولهم: (الصحابيّ يجوز عليه الخطأ والسهو ولم تثبت عصمته، فلا حجّة في قوله مع جواز ذلك عليه) . إجمال الإصابة ص 70، 71.
(2) هذا جوابٌ عن استدلالهم بقوله تعالى: (( فإن تنازعتم في شيءٍ فردّوه إلى الله والرسول ) )الآية - سورة النساء، الآية 59 -. وقولهم: (والردّ إلى مذهب الصحابيّ يكون تركًا لهذا الواجب) . المصدر السابق ص 67.
(3) كما قال ابن القيّم: ( ... من الممتنع أن يقولوا في كتاب الله الخطأ المحض ويُمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلّمون به، وهذه الصورة المذكورة وأمثالها قد تكلّم فيها غيرهم بالصواب، والمحظور إنما هو خُلُوّ عصرهم عن ناطقٍ بالصواب واشتماله على ناطقٍ بغيره فقط فهذا هو المحال) . إعلام الموقّعين 6/ 37.
(4) هذا جوابٌ عن قولهم: (القياس أصلٌ من أصول الدين وحجّةٌ من الحجج الشرعيّة، والعمل به عند عدم النصّ واجبٌ، فلا يُترَك لقول الصحابيّ) . إجمال الإصابة ص 82.
(5) كما قال ابن تيميّة: (وقد تأملتُ من هذا الباب ما شاء الله فرأيتُ الصحابة أفقه الأُمّة وأعلمها، وأعتبر هذا بمسائل الأيْمان بالنذر والعتق والطلاق وغير ذلك ومسائل تعليق الطلاق بالشروط ونحو ذلك، وقد بيّنتُ فيما كتبتُه أن المنقول فيها عن الصحابة هو أصحّ الأقوال قضاءً وقياسًا وعليه يدلّ الكتاب والسنّة وعليه يدلّ القياس الجليّ، وكل قولٍ سوى ذلك تناقضٌ في القياس مخالفٌ للنصوص، وكذلك في مسائلٍ غيرِ هذه مثلِ مسألة ابن الملاعِنة ومسألة ميراث المرتدّ وما شاء الله من المسائل لم أجدْ أجود الأقوال فيها إلا الأقوال المنقولة عن الصحابة، وإلى ساعتي هذه ما علمتُ قولًا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا وكان القياس معه، لكن العلم بصحيح القياس وفاسده من أجلّ العلوم، وإنما يَعْرِفُ ذلك من كان خبيرًا بأسرار الشرع ومقاصده وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التِّعداد وما تضمّنتْه من مصالح العباد في المعاش والمعاد وما فيها من الحكمة البالغة والرحمة السابغة والعدل التامّ) . مجموع الفتاوى 20/ 582 - 583.