ورَوَى ابنُ عبدِ الْبَرِّ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنْهُ، عنْ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( قَلِيلٌ مِنَ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الْعِبَادَةِ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا إِذَا عَبَدَ اللَّهَ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا إِذَا أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ، إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلانِ: عَالِمٌ وَجَاهِلٌ، فَلا تُمَارِ الْعَالِمَ، وَلا تُحَاوِرِ الْجَاهِلَ ) ).
ورُوِيَ أيضًا عنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، وَخَيْرُ الْعِبَادَةِ الْفِقْهُ ) ).
وعنْ قَتادةَ أنَّهُ قالَ: بَابٌ مِن العِلْمِ يَحْفَظُهُ الرجُلُ لِصَلاحِ نفْسِهِ وصَلاحِ مَنْ بَعْدَهُ أفْضَلُ مِنْ عِبادَةِ حَوْلٍ.
وقالَ أيضًا: تَذَاكُرُ العلْمِ بعضَ لَيْلَةٍ أحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إحيائِها. وكانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يقولُ: ما مِنْ عَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ العلْمِ، إذا صَحَّت النِّيَّةُ.
وقالَ الإمامُ الشافعيُّ: طلَبُ العلْمِ أفْضَلُ مِنْ صلاةِ النافِلَةِ.
وقالَ ابنُ وَهْبٍ: كُنْتُ عندَ مالكِ بنِ أنَسٍ، فحَانَتْ صلاةُ الظُّهْرِ أو العصرِ وأنا أَقْرَأُ عليهِ، وأَنْظُرُ في العِلْمِ بينَ يَدَيْهِ، فجَمَعْتُ كُتُبِي وقُمْتُ لأَرْكَعَ، فقالَ لِي مالِكٌ: ما هذا؟ قُلْتُ: أَقُومُ إلى الصلاةِ، قالَ: فقالَ: إنَّ هذا لَعَجَبٌ؛ ما الَّذِي قُمْتَ إليهِ بأَفْضَلَ مِن الذي كُنْتَ فيهِ إذا صَحَّتِ النِّيَّةُ.
وقالَ أبو هُريرةَ: لكلِّ شيءٍ عِمَادٌ، وعِمادُ هذا الدِّينِ الفِقْهُ، وما عُبِدَ اللَّهُ بشَيْءٍ أفْضَلَ مِنْ فِقْهٍ في الدِّينِ، وَلَفَقِيهٌ وَاحِدٌ أشَدُّ على الشَّيْطَانِ مِنْ ألْفِ عابدٍ.
ولَقَدْ أحْسَنَ القائلُ رَحِمَهُ اللَّهُ حيثُ قالَ:
تَعَلَّمْ فإِنَّ العلْمَ زَيْنٌ لأَهْلِهِ وفضْلٌ وعُنوانٌ لكُلِّ الْمَحَامِدِ
وكُنْ مُسْتَفِيدًا كلَّ يَوْمٍ زِيادَةً مِن العلْمِ واسبَحْ في بُحورِ الفوائدِ
تَفَقَّهْ فإنَّ الفِقْهَ أفْضَلُ قائِدٍ إلى الْبِرِّ والتَّقْوَى وأَعْدَلُ قاصِدِ
هوَ العلْمُ الهادي إلى سَنَنِ الْهُدَى ... سهُوَ الْحِصنُ يُنْجِي مِنْ جميعِ الشدائدِ
فإنَّ فَقيهًا واحدًا مُتَوَرِّعًا أشَدُّ على الشيطانِ مِنْ ألْفِ عابِدِ
قالَ الإمامُ أحمدُ: الناسُ أَحْوَجُ إلى العلْمِ مِنْهُم إلى الطعامِ والشَّرَابِ؛ لأنَّ الطعامَ والشرابَ يُحتاجُ إليهِ في اليومِ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ، والعلْمُ يُحْتَاجُ إليهِ كلَّ وَقْتٍ.
وقالَ ابنُ القَيِّمِ في (مِفتاحُ دارِ السعادةِ) : ويُحْكَى عنْ بعضِ العُلماءِ أنَّهُ رَكِبَ معَ تُجَّارٍ في مَرْكِبٍ، فانْكَسَرَتْ بِهِم السفينةُ، فأَصْبَحُوا بعدَ عِزِّ الْغِنَى في ذُلِّ الفَقْرِ، ووَصَلَ العالِمُ إلى البلَدِ فأُكْرِمَ وقُصِدَ بأنواعِ التُّحَفِ والكَراماتِ. فلَمَّا أَرَادُوا الرُّجُوعَ إلى بِلادِهِم قَالُوا لهُ: هلْ لكَ إلى قَوْمِكَ كتابٌ أوْ حاجةٌ؟ فقالَ: نَعَمْ، تَقُولُونَ لَهُمْ: إذا اتَّخَذْتُمْ مالًا يَغْرَقُ إذا انْكَسَرَت السفينةُ، فاتَّخِذُوا العلْمَ تِجَارةً.
واجْتَمَعَ رجُلٌ ذُو هَيئةٍ حَسَنَةٍ ولِبَاسٍ جميلٍ وَرُوَاءٍ برَجُلٍ عالِمٍ، فجَسَّ الْمَخَاضَةَ فلَمْ يَرَ شَيئًا، فقَالُوا: كيفَ رَأَيْتَهُ؟ فقالَ: رَأَيْتُ دارًا حَسَنَةً مُزَخْرَفَةً، ولَكِنْ ليسَ بها ساكِنٌ.
ولبَعْضِ العلماءِ رَحِمَهم اللَّهُ تعالى:
الناسُ مِنْ جِهةِ التَّمْثِيلِ أَكْفَاءُ أبُوهُمُ آدمُ والأُمُّ حَوَّاءُ
نفْسٌ كنَفْسٍ وأرواحٌ مُشَاكِلَةٌ وأَعْظُمٌ خُلِقَتْ فِيهِمْ وأَعْضَاءُ
فإنْ يكُنْ لهم مِنْ أَصْلِهِم حَسَبٌ يُفاخِرُونَ بهِ فالطِّينُ والماءُ