وما كان يقبعون في بيوتهم ينتظرون الإذن السياسي في قول كلمة الحق والإنكار على أهل الباطل.
وأمّا الآن فقد أصبح كثير من أهل العلم موظفين لدى السلاطين فأخرست الأطماع ألسنتهم فلا يقدرون على القيام بالعهد والميثاق المأخوذ عليهم في الكتاب.
ولا يستطيعون مصاولة الباطل ولا مقارعة الفساد ومن هنا كان أكثر أئمة السلف يَدْعون إلى الأعمال التجارية الحُرَّة دون التقيد بالأعمال الحكومية ويكرهون أُعطيات السلاطين وهدايا الملوك ويرفضون قبولها حتى لا يحملهم ذلك على المداهنة والنفاق وطاعة السلاطين في أغراضهم ونزواتهم.
وإني لأرمق بإجلال وإكبار عالِمًا عَّزتْ عليه نفسُه فلم يُذِلَّها بالتردد على قصور السلاطين واستغنى عمّا في أيديهم فجعل العلم خادمًا للدين وليس للسياسة. وسخّر الفتوى للديانة وليست للإعاشة.
وعبيد الدنيا والشهوات ينكرون هذا الكلام ويكافحون هذا الفكر ويعيشون في ظلمات التيه والرذيلة والشرود عن حقيقة الواقع.
والأغرب من هذا أن يطاردوا هذا الفكر باسم الدين والعلم أو التقدم والحضارة الجديدة.
وهيهات هيهات أن يكون للعلم والدين روابط بهذه ... الإ عوجاجات والتفلتات فالحق أبلج والباطل لجلج.