فإن هذه القاعدة تعني بدراسة أحوال الإنسان بصفة عامة, وذلك يتيح للمفسر أن يصل إلى المعنى القرآني بوضوح وجلا, ء وقد تناول الأستاذ محمد عبده هذا في حديثه عن الأمور التي لا يتم الوصول إلى أعلى مراتب التفسير إلا بها, فذكر أن من ذلك «علم أحوال البشر ذلك أن الله تعالى أنزل هذا الكتاب, وجعله آخر الكتب, وبين فيه ما لم يبينه في غيره، بيَّن فيه كثيرًا من أحوال الخلق وطبائعهم, والسنن الإلهية في البشر, قص علينا أحسن القصص, عن الأمم وسيرها الموافقة لسنن من قبلها, فلابد للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر, في أطوارهم, وأدوارهم, واختلاف أحوالهم, من قوة وضعف, وعز وذل, وعلم وجهل, وإيمان وكفر.
ويقول الأستاذ الإمام- رحمه الله-: أنا لا أعقل كيف يمكن لأحد أن يفسر قوله تعالى:"كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ" [1] , وهو لا يعرف أحوال البشر, وكيف اتحدوا؟ , وكيف تفرقوا؟ , وما معني الوحدة التي كانوا عليها؟ , وهل كانت نافعة أو ضارة؟ , وماذا كان من آثار بعثة النبيين فيهم؟ , لقد أجمل القرآن الكلام عن الأمم وعن السنن الإلهية, وعن آياته في السماوات والأرض, وفي الآفاق والأنفس, وهو إجمال صادر عمن أحاط بكل شيء علمًا, وأمرنا بالنظر والتفكر, والسير في الأرض؛ لتفهم إجماله بالتفصيل, الذي يزيدنا ارتقاء وكمالًا, ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره, لكنا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده لا بما حواه من علم وحكمه) [2] .
بهذا الوضوح والجلاء بين الأستاذ الإمام- رحمه الله- مدى أهمية دراسة أحوال الناس, وأدوارهم, ومنا شيء حياتهم؛ حتى تعطى صورة صادقة عن القرآن, الذي نزل لصلاحهم, وكشف أدوائهم, وعظة الناس عن خلاقهم, ولا شك أن إدراك
(1) البقرة: 213.
(2) المنار: 1/ 20,21.