وقارئ القرآن الكريم أن يتصور تلك الحياة الاجتماعية, التي نزل القرآن الكريم فيها, يخاطب العرب يأمرهم, وينهاهم, ويرشدهم, مقرًا لبعض معارفهم وعاداتهم, ومقومًا لبعضها الآخر, والشيخ محمد عبده - رحمه الله-, وهو يتناول الحديث عن مراتب التفسير, يذكر أن أعلى مراتب التفسير لا تتم إلا بأمور ومقومات منها: (معرفة المفسر بما كان عليه الناس في عصر النبوة, من العرب وغيرهم؛ لأن القرآن ينادي بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال, وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث لهدا يتهم وإسعادهم, وكيف يفهم المفسر ما قيمته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة, أو ما يقرب منها إذا لم يكن عارفًا بأحوالهم وما كانوا عليه؟ هل يكتفي من دعاة الدين والمناضلين عنه بالتقليد, بأن يقولوا- تقليدًا لغيرهم: إن الناس كانوا على باطل, وإن القرآن دحض أباطيلهم في الجملة ... كلا ... لقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال إنما تنقض عرى الإسلام عروة, عروة, إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية, والمراد من أنه نشأ في الإسلام ولم يعرف حال الناس قبله يجهل تأثير هدايته وعناية الله بجعله مغيرًا لأحوال البشر, ومخرجًا لهم من الظلمات إلى النور, ومن جهل هذا يظن أن الإسلام أمر عادي) [1] , فلا يتم فهم عظمة هذا الدين, ولا يفهم كتابه المبين إلا بهذه الخلفية الاجتماعية التي تعطي للمفسر تصورًا صادقًا عن حال الناس, وعاداتهم, وطبائعهم, وقت نزول القرآن, وسحب هذه الخلفية إلى العصور الأخرى, والشرائع التالية؛ حتى يكون الفهم فهمًا سديدًا بعيدًا, عن الانحراف أو الخطأ.
(1) انظر المنار: ج 1 صـ ,21 بتصرف يسير.