وبهذا"أضيفت الى مجموعة القوانين العامة الشائعة بين الناس، والتي استمدوها من تقاليدهم مجموعة أخرى من القوانين الوضعية، التي مصدرها المراسيم الحكومية" [1] .
ويتأكد مما سبق اذن، أن التشريع الغربي في واقعه وباعتراف فقهائه انما هو تشريع خاص وليد ظروف اجتماعية وتاريخية معينة، وبعد أن كان مصدر التشريع في الفكر الغربي يستند الى التعاليم الدينية من احكام القانون الكنسي الكاثوليكي الذي ظل مهيمنا على أوروبا في القرون الوسطى [2] . انقسمت القوانين الغربية الى قوانين دينية ومدنية لما انفصل الدين عن الدولة في الغرب، وبدأ المفكرون في بناء فلسفات نظرية كنظرية"القانون الطبيعي"للاسترشاد بأحكامها في صياغة قوانين وضعية مبنية على قواعد عقلية محضة مثل العدل والضمير المنبثق عن الانسان ذاته [3] .
يظهر من عرض أسس التشريع الغربي ومقاصده أنه مبني على قواعد تخالف قواعد التشريع الاسلامي. فالتشريع الغربي يبنى على فكرة تأطير الحرية الفردية ودعمها في حين يجعل التشريع الاسلامي أفعال العباد مناط التشريع فالمسلم مقيد بالحكم الشرعي في أفعاله. وقد رتب الشارع له أحكاما محددة لمعالجة أفعاله من واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرم. وخطاب الشارع المعالج لحاجات الانسان لم ينطلق من واقع اعطاء الفرد حرية أو تقييد حريته بل انطلق من بيان حكم أفعال الانسان، وذلك نظرا لان أفعال الانسان يترتب عليها حكم شرعي ثابت. أضف الى ذلك أن مقاصد الشريعة الاسلامية كما أ: د علماء الشريعة المحققون كأبي اسحاق الشاطبي وغيره انما ترجع أساسا الى حفظ مقاصدها في الخلق، حيث قصد التشريع الاسلامي الى حفظ الضروريات كالدين والنفس والنسل والمال والعقل، وحفظ الحاجيات التي يدفع بها الحرج والمشقة، وحفظ التحسينات من محاسن العادات ومكارم الاخلاق. والشارع لم يقصد من وضع الشريعة مراعاة الحرية لذاتها، كالفكر الغربي، بل قصد بالتشريع اقامة المصالح الأخروية والدنيوية، ويستوي في ذلك ما كان من قبيل الضروريات او الحاجيات أو التحسينات [4] . والشريعة انما جاءت لتخرج المكلفين من دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله حيث أن المعتبر في
(1) ... ول ديورانت, مرجع سابق, ص 53.
(2) ... د. أدمون رباط, الوسيط في القانون الدستوري العام, الجز ء الأول, بيروت, دار العلم للملايين, 1965, ص 78.
(3) ... المرجع السابق, ص 81 و 90.
(4) ... انظر أبو اسحاق الشاطبي, الموافقات في أصول الشريعة, الجزء الثاني, بيروت, دار المعرفة, (بدون تاريخ نشر) , ص 37.