ولهذا فان الامام ملزم بالتقيد بالشرع في كل أمر عند سن القانون والاحكام في الدولة فلا يجوز له مطلقا تبني تشريعا من غير الادلة الشرعية لان التبني من غير الادلة الشرعية يعد تبنيا من غير الاسلام فيكون بذلك من الحكم بغير ما أنزل الله ويعد مخالفة للشرع. كما أن طاعة الأمة للإمام مقيدة بالتزامه بالشرع وعدم الخروج عليه، نص البيعة التي يبايع عليها الامام تلزمه باتباع الشريعة الاسلامية اذ أنها بيعة على الحكم بالكتاب والسنة فلا يحل للإمام المخالفة لهما أو الخروج عليهما بتبني ما يخالف الشرع. ولهذا فان سيادة الشرع في الدولة الاسلامية تعتبر ضمانا لمنع الاستبداد السياسي واستغلال التشريع كأداة للسيطرة السياسية.
سبق أن أوضحنا أن القوانين التشريعية هي القوانين التي تعالج أفعال العباد وتدل على حكم الفعل الانساني من حيث الوجوب أو الاباحة أو الحرمة أو غير ذلك، ولما كان الامام ملزم بتسيير أعماله وفق أحكام الشرع، وتسيير الاعمال بحسب الاحكام الشرعية يقتضي أن يتبنى الامام احكاما معينة في المسائل الاجتهادية، والتي تتفاوت فيها الافهام لخطاب الشارع الوارد في الادلة الشرعية، ظهرت الحاجة الى التبني وصار للإمام الحق في أن يتبنى أحكاما وقوانين تشريعية يباشر الحكم ورعاية الشئون بحسبها. وذلك التبني قد يكون واجبا على الامام في الاحوال التي لا يستطيع أن يقوم بشئون الحكم أو رعاية شئون الدولة الا عند تبنيه حكما معينا فيها، مثل ما يتعلق بوحدة الدولة وجمع الزكاة أو فرض الخراج وعقد المعاهدات مع الدول الاجنبية وما شابه ذلك. ويكون التبني واجبا، كذلك، لكل حكم ثبت بالنص وأجمع عليه المسلمون كوجوب الجهاد واباحة البيع وتحريم الربا وحرمة الزنا ونحو ذلك. أما اذا تمكن الخليفة من رعاية الشئون واباحة البيع وتحريم الربا وحرمة الزنا ونحو ذلك. أما أذا تمكن الخليفة من رعاية الشئون وفق أحكام الشريعة دون أن يتبنى حكما معينا في ذلك فان التبني يكون جائزا له في هذه الحالة وليس واجبا عليه [1] وذلك كالعقوبات التعزيرية مثلا حيث ليس ضروريا أن يتبنى عقوبة محددة لها وله ترك تحديد العقاب لقضاة الحسبة، اذ أن الاصل في التبني أنه مباح الا اذا كانت رعاية الشئون الواجبة لا تتم الا بالتبني فيفعل ذلك حينئذ للحاجة اليه. أضف الى ذلك،
(1) ... راجع في هذا الصدد محمود عبد المجيد الخالدي, قواعد نظام الحكم في الاسلام, الكويت, دار البحوث العلمية, 1400 - 1980, ص 350.