انطلق مونتسكيو، الذي بلور مبدأ الفصل بين السلطات في تحليله للمبدأ من ضرورة المحافظة على الحرية السياسية التي لا تتحصل الا اذا تحقق الامن الاجتماعي الداخلي. وقد أكد مونتسكيو أن المرء كفيل بإساءة استغلال السلطة والاخلال بالأمن اذا ما تركزت السلطة في يده، ولذلك دعى، للحيلولة دون استفحال مشكلة تركز السلطة، الى فصل السلطات لكي توقف كل سلطة السلطة الاخرى وتمنعها من الطغيان [1] .
وقد أكد مونتسكيو ان الحرية تفقد معناها حين تتركز السلطة التنفيذية والتشريعية في يد شخص واحد أو هيئة تتولى اصدار قوانين جائرة تطبقها بصورة جائرة. وكذلك فإنه لا يصبح للحرية معنى حين يجمع صاحب السلطان بين السلطتين السابقتين والسلطة القضائية وذلك لان القاضي يصبح مشرعا ومنفذا لقوانين استبدادية. فالحالة تصبح مزرية، كما عبر مونتسكيو، حين يجمع فرد بين السلطات الثلاث في المجتمع [2] .
ومنذ ذلك الوقت ومبدأ الفصل بين السلطات يقوم على قاعدتين، تتمثل الاولى في التقسيم الثلاثي لوظائف الدولة الى الوظيفة التشريعية، والتنفيذية، والقضائية. أما القاعدة الثانية فتؤكد ضرورة عدم تركز السلطات في يد فرد أو هيئة واحدة وذلك لمنع الاستبداد [3] .
وقد ترك مبدأ فصل السلطات أثرا بينا على المفكرين السياسيين المسلمين المعاصرين، حيث دعى عدد من الكتاب المسلمين الى اقرار مبدأ فصل السلطات بزعم أن الاسلام لا يعارضه مطلقا، وبنوا على قاعدة الفصل بين السلطات مبدأ استقلال التشريع في هيئة نيابية مستقلة كما هي الحال في التنظيم السياسي الغربي.
فقد أشار د. الطماوي الى أن مبدأ الفصل بين السلطات لا يتنافى مع الفكر السياسي الاسلامي [4] . وأن"استحداث برلمان منتخب، يختار الحكام ويحاسبهم، ويعزلهم اذا أخطأوا، يتفق تمام مع مبادئ المسلمين في الحكم والسياسة" [5] .
(3) ... د. سليمان محمد الطماوي, السلطات الثلاث في الدساتير العربية في الفكر السياسي الاسلامي. دراسة مقارنة, القاهرة, دار الفكر العربي, 1974, ص 448.
(4) ... المرجع السابق, ص 604.
(5) ... المرجع السابق, ص 605.