الصفحة 40 من 70

أن كثرة التبني في الاحكام الاجتهادية تؤدي الى تقييد الاجتهاد في المسائل المتبنى فيها وفي ذلك أضعاف للفكر والنظر ممن يناط بهم تنفيذ هذه المسائل من قضاة وولاة وموظفين.

أما الأمور التي لا يرتبط تنفيذها بالدولة ويقتصر دور الدولة فيها على الاشراف العام نحو أمور العقائد والعبادات التي اختلفت فيها اجتهادات العلماء والفقهاء، والتي هي علاقة الانسان بخالقه تعالى. ولا يترتب عليها أحكامًا جماعية فلا توجد حاجة للتبني من قبل الدولة فيها. فواقع العقائد والعبادات أنها علاقة بين الانسان وخالقه تعالى، ولا ترتبط بالغير مما يجعل التبني فيها من قبل الدولة تبنيا لغير حاجة، بالإضافة الى ذلك، يؤدي التبني في الآراء الاسلامية المختلفة في أحكام العبادات والعقائد الى الاكراه في الدين في الامور المختلفة بين المسلمين، مما يؤدي الى الحرج بين المسلمين ويحدث فتنة بينهم، كما ظهر من حوادث التاريخ عندما تبنى المأمون فتنة خلق القرآن وما ظهر من تنازع بين المسلمين فيها أدى الى تكفير بعضهم بعضا، وفي هذا ضرر وتفريق لوحدة الامة. وكل ما يؤدي الى الضرر والفرقة فهو محرم شرعا. ولهذا فان الاصل أنه ليس للإمام أن يتبنى ويلزم المسلمين في أحكام العبادات والعقائد المختلف فيها بين المسلمين، منعا للحرج عنهم، ومنعا لتفريق المسلمين ولعدم الحاجة الى ذلك لرعاية الشئون [1] .

ويستثنى من ذلك العبادات التي تقتضي رعاية الشئون التبني فيها كجمع أموال الزكاة، ودخول شهر الصوم، وتحديد الاعياد الاسلامية لكن هذا التبني يكون مع ذلك الاستثناء من القاعدة الثابتة بأن لا يتبنى الامام ولا يسن قانونا تشريعيا الا في ما ثبت بالنص الشرعي وأجمع عليه المسلمون أو عندما لا يمكن رعاية الشئون الواجبة الا به فيصبح التبني حينئذ فرضا.

رابعا: قصر مجالات القوانين الاجرائية على مجالات مخصوصة:

لقد سبق أن بينا أن واقع القوانين الاجرائية هو الانظمة والاحكام ذات العلاقة بالوسائل والاساليب المطلوبة لتنفيذ الحكم الشرعي أو بعبارة أخرى هي الإلزام أو المنع من مباح معين يعد وسيلة أو أسلوبا متعلقا بالحكم الشرعي. ولقد ذكرنا أن للإمام تبني ذلك بحسب المصلحة مع اشتراط عدم مخالفة الشرع.

(1) ... المرجع السابق, ص 356 - 363.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت