الصفحة 6 من 70

أفرز الاستعمار الغربي صراعا فكريا وعقائديا في الساحة الإسلامية لا زالت الأمة تعيش انعكاساته منذ ما يزيد على قرنين من الزمن. فقد عمد المستعمر إلى فرض النظام الفكري والحضاري الغربي لملء الفراغ السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي نتج عن انهيار الخلافة الاسلامية، كما عمل على تشويه البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الاسلامية بغية احداث خلل فكري في المجتمع الاسلامي ليمكن للأنظمة والتشريعات الغربية أن تسود في العالم الاسلامي.

وقد أدى ذلك، في كثير من الاحيان، الى ارتكاس في المفاهيم وتضارب في المنهج أبعد المسلمين عن الفكر الاسلامي النظم لواقع الحياة. كما أدى، كذلك، الى الشعور بالعجز التام لدى الكثير في مواجهة تيار الحياة الغربية ونجم عن كل ذلك التبني الكامل لأحكام التشريعات الغربية دونما اعتبار لمناقضتها لأحكام الشريعة الاسلامية.

كما صار العديد يرى، من واقع التفتت والتشرذم في العالم الاسلامي، استحالة بناء كيان سياسي ينبثق من الشرع ويلتزم الاسلام عقيدة وتشريعا. وأصبح الكثير من المنفذين وقادة الفكر لا يرون غضاضة في الاقتصار على الجوانب الروحية والتعبدية من الشريعة واهمال البحث في الجوانب السياسية والاطر التنظيمية للدولة الحديثة من وجهة النظر الاسلامية.

وبادراك هذا الواقع فانه من الاهمية بمكان عرض الابعاد السياسية للتشريع الاسلامي، حيث أن ذلك سيجعل للتشريع - أي استنباط أحكام الشرع - وسن القوانين - أي جعل الاحكام ملزمة - في المجتمعات الاسلامية بعدا حركيا يجعل من السهل عليها ابراز ذاتيتها وتحقيق قوتها ووحدتها والتخلص بالتالي من التبعية السياسية والفكرية للغرب. ومن هذا المنطلق يتناول هذا المبحث أسس وسائل التشريع الاسلامي من منظور سياسي ويركز على دور الشريعة كمصدر أوحد للدستور والقوانين في النظام السياسي الاسلامي مع نقض وتفنيد الآراء المخالفة لذلك. كما يقدم البحث تحليلا لدور الدولة والافراد في سن القوانين واستنباط الاحكام الشرعية، بهدف ابراز تميز الاسلام في معالجاته التشريعية للواقع السياسي، والتنظير للكيفية التي يتم من خلالها تحقيق الاستقلالية التشريعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت