ومع التأكيد على حق الامام في سن القوانين وعلى جوب عمل الرعية بما يسنه، الا أنه ينبغي ملاحظة أن سن الامام للقوانين يقتصر على ما يحتاج اليه لتنفيذ أحكام الشرع وتنظيم شئون الدولة وفصل الخصومات ورعاية الشئون ونحو ذلك. حيث أن هذا هو المقصود من سن القانون أو التنظيم بالدولة. ولذلك، فليس للإمام أن يصدر قوانين لا تتعلق بمسئوليته كراع للامة، أو لا يحتاج اليها لسياسة الدولة والرعية.
كما ينبغي أن يلاحظ أنه لا يمنع ما سنه الإمام كقانون من أن تكون هناك اجتهادات مغايرة لفهمه واجتهاده لان الاجتهاد حق لكل مسلم، ولذا فان الالزام، انما يكون في العمل فقط باجتهاد الامام وتنفيذ أوامره في غير معصية وليس بالفكر والراي لما ثبت من أحقية كل مسلم في الاجتهاد ومشروعية الاجتهاد في الامة. ولذلك لا يصح منع الرعية من الفهم أو التبني أو الدعوة لاستنباطات مختلفة عن تلك التي سنها الامام كقانون، وقد أخذ القانون الوضعي بما تقرر في الشريعة من الزام الرعية بالعمل فقط بما سن كقانون حيث أكد أنه"ما دام القانون صريحا فلا يجوز تأويله وتغيير نصوصه بناء على روح القانون ... حتى ولو كان رأي القاضي الشخصي أن النص غير عادل" [1] .
والخلاصة أن الاجتهاد في اظهار الاحكام من مصادر الشريعة حق لكل مسلم توفرت له شروط الاجتهاد، والاجتهاد فرض كفاية على الامة وللإمام أن يتبنى من اجتهادات المجتهدين ويسنها كقوانين تشريعية للدولة فيما يحتاج اليه لرعاية شئون"الامة والدولة، وتجب طاعة الرعية له في العمل بتلك القوانين مع جواز مخالفة اجتهادهم اجتهاد الامام وكون رأيهم بخلاف رأيه، لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين واجماع الصحابة رضي الله عنهم في ذلك."
جاءت الشريعة الاسلامية بأحكام تعالج مشكلة الحكم والتشريع في المجتمعات الانسانية معالجة واقعية فلم تفترض الشريعة افتراضات غير عملية كفكرة فصل السلطات لمنع الاستبداد ثم محاولة ترقيع ذلك بالتشريعات التي تجيز التداخل بين السلطات وتسمح بنقض قرارات بعضها البعض كما يحصل في النظام الليبرالي الغربي، ولم تمنح الشريعة كذلك الحكام سلطات مطلقة تجعل الحاكم فوق المحاسبة والنقد وما ينجم عن ذلك من
(1) ... د. بدران, أصول الفقه الاسلامي, مرجع سابق, ص 474 - 475.