امتهان للامة وأفرادها وضياع حقوقهم كما يحصل في الانظمة الشمولية، وانما عالج الاسلام مشكلة الحكم بما يتفق مع واقعه، فالقيادة فردية في طبيعتها، سواء أطلق على الحاكم أميرا أو رئيسا أو رئيس وزراء أو غير ذلك. وعند ممارسة الحكم يهيمن في النهاية فرد معين مهما وزعت الصلاحيات أو فصلت السلطات، ففي النظام الغربي الرئاسي تكون شخصية الرئيس هي المهيمنة، وفي النظام الغربي البرلماني يسيطر رئيس الوزراء واقعيا على دفة الحكم [1] . ولهذا فان أحكام الشريعة جاءت بما يعالج هذا الواقع معالجة تتفق مع طبيعته، حيث قصرت الشريعة الامارة على فرد واحد حتى في الامور الجزئية، ورد في الاثر قوله عليه الصلاة والسلام: «اذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم [2] » فقصرت الامارة على واحد، وأمر الشارع فحصر الخلافة العظمى في فرد واحد وأمر بقتال من نازعه تأكيدا لفردية الامارة العظمى. قال عليه الصلاة والسلام «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو أن يفرق كلمتكم فاقتلوه [3] » ولهذا جاءت الاحكام التفصيلية المتعلقة بالتقنين الشرعي وسن الاحكام بما يتفق مع هذا المبدأ، وخول الشارع الامام وحده حق تبني الاحكام وسن القوانين التشريعية والاجرائية وأوجب على الرعية طاعته بالعمل بما يسنه ويتبناه، كما أعطى الشارع الامام صلاحيات واسعة لرعاية الشئون، وتنفيذ الأحكام وفق ما يتبناه من أحكام.
ومع التأكيد على ما سبق، فان الشارع راعى واقع كون الامام شخصا غير معصوم، قد يأتي منه، عند ضعف الوازع الديني، ما يؤدي الى الاستبداد أو الاخلال بمهام عمله المتعلقة بتنفيذ الشرع، مستغلا في ذلك الصلاحيات الواسعة المخولة له. ولهذا جاء الاسلام بأحكام وضوابط شرعية تعالج هذا الواقع وتحول دون حصول اساءة التطبيق من الامام عند تبني الاحكام وسن القوانين، وتضمن سير الدولة والامة ضمن الاطار الشرعي.
ويمكن ابراز أهم هذه الضوابط فيما يلي:
أولا: حسم الشريعة للمسائل التشريعية في المجتمعات الانسانية.
(1) ... راجع في هذا الصدد, د. محمد أحمد مفتي, أركان وضمانات الحكم الاسلامي, الكويت, جامعة الكويت, مجلة الشريعة والدراسات الاسلامية, السنة الخامسة, العدد الثاني عشر, ربيع الاخر 1409, ص 98 - 107.
(2) ... جامع الاصول, الجزء السادس, مرجع سابق, ص 13.
(3) ... جامع الاصول, الجزء الرابع, مرجع سابق, ص 442 - 443.