الصفحة 29 من 70

ويترتب على سن الامام قانونا الزام الرعية والولاة بالعمل به من باب وجوب طاعة الامام، حيث أنه مع كون الشرع جعل الاجتهاد حقا لكل مسلم، وجعل الحكم الشرعي المستنبط من الاجتهاد يقتصر الالزام به على المجتهد الذي استنبطه وعلى المقلدين له في الحكم، ولا يكون الالزام لذلك عاما للامة، الا أن الشرع جعل تبني الامام اجتهادا معينا - سواء استنبطه بنفسه أم قلد غيره من المجتهدين - وسنه كقانون للدولة - ملزما للرعية، وجعل العمل بهذا الاجتهاد في هذه الحالة وحدها واجبا على الرعية وذلك من باب طاعة ولاة الامور الثابتة بقوله تعالى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [1] ، وقال عليه الصلاة والسلام «من يطع الامير فقد أطاعني ومن يعص الامير فقد عصاني» [2] . كما ثبت من اجماع الصحابة طاعتهم للإمام والخليفة في ما يسنه كقوانين باجتهاده، نحو قبولهم ضرب الخراج على الاراضي المفتوحة، وقبولهم ما الزم به الخليفة عثمان من كتابة المصاحف بلغة قريش، وغير ذلك. ولهذا لو سن الامام اجتهادا معينا كقانون لزم المسلمين افرادا وحكاما وقضاة العمل به فيما يتعلق بعلاقة الدولة بالرعية ورعايتها لشئونهم.

يقول الامام علي بن علي بن أبي العز شارح الطحاوية:

دلت نصوص الكتاب والسنة واجماع سلف الامة أن ولي الامر وامام الصلاة والحاكم وأمير الحرب وعامل الصدقة يطاع في مواضع الاجتهاد وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه فان مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف أعظم من أمر المسائل الجزئية [3] .

ويتأكد مما سبق أن النظام السياسي الاسلامي اذن يجعل للإمام وحده حق تبني التشريعات وسن القوانين الاجرائية، بالإضافة الى الصلاحيات التنفيذية. وبذلك يقف النظام السياسي الاسلامي على طرف نقيض مع النظام السياسي الغربي الذي يقيم كيانه السياسي على مبدأ الفصل بين السلطات الذي يعد قاعدة من قواعد الديموقراطية الليبرالية الغربية، ويجعل حق التشريع لهيئة نيابية منتخبة من الشعب. ونظرا لأهمية الموضوع فإننا سنقوم باستعراض المنطلقات الفكرية الغربية لمبدأ فصل السلطات بيانا لفسادها.

(1) ... سورة النساء آية 59.

(2) ... رواه البخاري, جامع الاصول, الجزء الرابع, ص 423.

(3) ... شرح العقيدة الطحاوية, تحقيق شعيب الارناؤوط, دمشق, مكتبة دار البيان, 1401 - 1981, ص 360.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت