مِنْ بَعْدِهِمْ ... قال: فكيف أقسمه لكم وأدع من يأتي بغير قسم فاجمع على تركه وجمع خراجه واقراره في أيدي أهله ووضع الخراج على أرضهم [1] .
وقال أبو يوسف «فقالوا جميعا: الرأي رأيك ونعم ما قلت ورأيت، أن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتجري عليهم ما يتقون به رجع أهل الكفر الى مدنهم» [2] .
ومن الشواهد كذلك في سيرة الخلفاء الراشدين ما سنه عثمان رضي الله عنه كقانون من كتابة المصاحف بلغة قريش واحراق ما عداها من مصاحف الامصار لدفع الضرر الناجم عن الاختلاف في القراءات بناء على القاعدة الشرعية بدفع الضرر [3] ، وأيضا ما سنه علي رضي الله عنه بأن الفئة الباغية على الامام لا تسبى أموالها ولا يجهز على جرحاها. ولذا يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله"يسن للناس من أقضية بحسب ما أحدثوا" [4] . أي أن للإمام أن يسن أحكاما وقوانين بحسب ما يستحدث من أحوال الناس والمجتمع.
ويستشهد الامام الجويني بما ثبت من قتال أبي بكر رضي الله عنه لمن امتنع عن أداء الزكاة له كإمام للمسلمين ظنا منهم أن الزكاة لا تدفع الا للرسول عليه الصلاة والسلام حيث يقول في ذلك:
ان اجتهاد الامام اذا أدى الى حكم في مسألة مظنونة ودعا الى موجب اجتهاده قوما يتحتم عليهم متابعة الامام فان أبوا قاتلهم، كما قاتل الصديق رضي الله عنه مانعي الزكوات في القصة المعروفة، ثم قتاله إياهم لا يعتمد ظنا فانه لا يسوغ تعريض المسلمين للقتل من الفئتين على ظن وحدس وتخمين نفس بل يجب اتباع الامام قطعا فيما يراه من المجتهدات فيترتب القتال على أمر مقطوع به وهو تحريم مخالفة الامام في الامر الذي دعا اليه وان كان أصله مظنونا، ولو لم يتعين اتباع الامام في مسائل التحري لما تأتي فصل الخصومات في المجتهدات ولاستمسك كل خصم بمذهب ومطلبه وبقي الخصمان في مجال خلاف الفقهاء مرتبكين في خصومات لا تنقطع ومعظم حكومات العباد في موارد الاجتهاد [5] .
(1) ... الخراج, مرجع سابق, ص 35.
(2) ... المرجع السابق, ص 25 - 26.
(3) ... ابن كثير, البداية والنهاية, الجزء السابع, بيروت, دار الكتب العلمية, 1409 - 1989, ص 227.
(4) ... أبو اسحاق الشاطبي, الاعتصام, الجزء الثاني, بيروت, دار المعرفة للطباعة والنشر, (بدون تاريخ نشر) , ص 3.
(5) ... الغياثي, غياث الامم في التياث الظلم, قطر, مطابع الدوحة الحديثة, 1400, ص 216 - 217.