والشهادة قد تكون بلا مشاهدة كالشهادة بالتسامع في الأشياء المعروفة. ولما كان الشهيد كالرقيب جيء بكلمة الاستعلاء كقوله تعالى: {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 17] .
وقيل: لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار، ويكون الرسول عليكم شهيدًا يزكيكم ويعلم بعدالتكم.
وأخرت صلة الشهادة أولًا وقدمت آخرًا لأن المراد في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدًا عليهم.
{وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ}
قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: معنى قوله {لنعلم} أي لنعلم كائنًا أو موجودًا ما قد علمناه أنه يكون ويوجد، فالله تعالى عالم في الأزل بكل ما أراد وجوده أنه يوجد في الوقت الذي شاء وجوده فيه ولا يوصف بأنه عالم في الأزل بأنه موجود كائن لأنه ليس بموجود في الأزل فكيف يعلمه موجودًا، فإذا صار موجودًا يدخل تحت علمه الأزلي فيصير معلومًا له موجودًا كائنًا، والتغير على المعلوم لا على العلم. أو لنميز التابع من الناكص كما قال تعالى: {لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب} [الأنفال: 37] فوضع العلم موضع التمييز لأن العلم به يقع التمييز، أو ليعلم رسول الله عليه الصلاة والسلام والمؤمنون، وإنما أسند علمهم إلى ذاته لأنهم خواصه أو هو على ملاطفة الخطاب لمن لا يعلم كقولك لمن ينكر ذوب الذهب (فلنلقه في النار لنعلم أيذوب) .
{وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم} أي صلاتكم إلى بيت المقدس؛ سمى الصلاة إيمانًا لأن وجوبها على أهل الإيمان وقبولها من أهل الإيمان وأداؤها في الجماعة دليل الإيمان.