قال أبو الحسن: يفيد أن لكل قوم من المسلمين من أهل سائر الآفاق وجهة إلى جهات الكعبة، وراءها وقدامها، وعن يمينها وشمالها، كأنه أفاد أنه ليس جهة من جهاتها أولى بأن تكون قبلة من غيرها. وفيها أقوال غير هذا, وروي أن عبد الله بن عمر قال: إنما وُجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته حيال ميزاب الكعبة، وهو قول لا يصح، إلا على تأويل. وقد قال ابن عباس وغيره: بل وُجه إلى البيت كله. ويحتمل قول ابن عمر على أن من كان يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت من أهل البلاد والأصقاع إنما كانوا من ناحية ميزاب الكعبة، وهي قبلة المدينة والشام وإلى هناك قبلة أهل الأندلس.
وقد اختلف في الصلاة داخل الكعبة فأجازها الشافعي جملة ومنعها ابن جرير جملة، ومنعها مالك في الفرض والسنة وأجازها في النفل.
واختلف المانعون للصلاة فيها هل تجزئ من صلى الفرض فيها صلاته أم لا؟ فقيل: تجزئ، وقيل: يعيد أبدًا، والثلاثة
الأقوال في المذهب. ومن حجة من لم يجز شيئًا من الصلاة فيها أن المصلي غير مستقبل جمعيها، والله تعالى أمر باستقبالها فظاهره الحمل على الجميع، ومن حجة من أجاز أن من استقبل جزءًا منها فقد استقبلها.
والفرق بين الفرض والسنة وبين النافلة، وهو في (( الموطأ ) )و (( البخاري ) )و (( مسلم ) )وإن كان قد ورد أيضًا أنه لم يصل فيها. فإذا صح فيها النفل صح الفرض وأجزأ على قول من رآه ولو نقض البيت -وعائذًا بالله من ذلك- لجازت الصلاة إلى جهته خلافًا للشافعي لقوله تعالى: {فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144] والاعتبار البقعة دون البيت.
واختلف أيضًا في الثلاة فوق الكعبة، فقال أشهب: هو بمنزلة البطن ولا إعادة على من صلى الفرض هناك. وروي عن مالك أنه يعيد من فعل ذلك. ومنعه بان حبيب في النفل والفرض. وهو عنده بخلاف البطن. قال اللخمي: إنما ورد الخطاب في الصلاة إلى الكعبة ومن صلى عليها لم يصل إليها.