قال بعضهم: إن هذه الآية منسوخة بآية القتال، وهذا خبر فلا يدخله النسخ، وكذلك خبر الله عن النبي -عليه السلام- بقوله: {فقل لي عملي ولكم عملكم} [يونس: 35] خبر عن نوح وهذا كله إخبار عن حقائق الأشياء فلا يرد، لكنه يبقى في الآية الإشارة إلى المتاركة والمسالمة لمفهوم الخطاب، وقد نسخت المتاركة بالقتال فجاء النسخ في مفهوم الآية وفحواها.
(144) - قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] .
هذه الآية لم تتتضمن النهي عن الصلاة إلى بيت المقدس فتكون ناسخة. وإنما تضمنت الأمر باستقبال الكعبة. والمفسرون بأجمعهم مطلقون عليها أنها ناسخة لقبلة بيت المقدس. فيحتمل أن الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- قد فهموا عند نزول هذه الآية باستقبال الكعبة من النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن استقبال بيت المقدس، إما بنص منه، أو بقرائن أحوال. فتبين
بذلك معنى الأمر، وأن مضمنه النهي عن القبلة الأخرى، ويكون هذا من النسخ مثل قولهم: إن آية المواريث نسخت الوصية للوالدين والأقربين، وإن شهر رمضان نسخ صوم يوم عاشوراء ونحو ذلك. ويحتمل أن يكونوا رأوا هذا ناسخًا حملًا للأمر بالشيء على أنه نهى عن ضده إذا كانت القبلتان لا يصح أن يجمع بينهما في صلاة واحدة. فهما كالمتضادين فعلى هذا ترتب النسخ. وإن جعلنا قوله تعالى: {وما أنت بتابع قبلتهم} خبرًا بمعنى النهي، فيكون معناه ولا تتبع قبلتهم أي لا تصل إليها يعني بيت المقدس إذا كانت قبلة لليهود، فيكون هذا نسخًا بينًا. وفي هذا كله نظر. ولا خلاف أن الكعبة قبلة من كل أفق وهو نص الآية.
(148) - وقوله تعالى بعد هذا: {ولكل وجهة هو موليها} [البقرة: 148] .