عند الشاهدين ، ليشهدا عنده وإنما على الشهود الحضور عند الحاكم.
فالدعاء الأول إنما هو لإثبات الشهادة فِي الكتاب ، والدعاء الثاني لحضورهم عند الحاكم وإقامة الشهادة عنده.
واللفظ يحتمل الأمرين جميعا ، ولا معنى لاختلاف المفسرين فِي معناه ، إذا كان اللفظ يدل عليهما من طريق العموم.
وقوله: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ) ، يجوز أن يكون متناولا للأمرين جميعا ، وإن كان قوله: (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) ، يرجع جانب التحمل ، ولكن ذكر بعض ما يتناوله اللفظ لا يمنع التعلق بعمومه فيما أمكن تعميمه فيه ، على رأي أكثر الأصوليين ، وإن خالفهم قوم فِي ذلك وادعوا التوقف ، وليس ذلك بالبعيد عندنا على ما شرحناه فِي الأصول ، مع أن اسم الشهداء لا يكون حقيقة ، إلا فِي حالة إقامة الشهادة عند الحاكم ، وإن كان ينطلق على غيره بطريق المجاز مثل قوله:
(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ) .
فسماهم شهيدين وأمرنا باستشهادهما قبل أن يشهدا. وهو بمثابة قوله:
(فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) (230) .
فسماه زوجا قبل أن يتزوج.
وقوله: (وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا ، الآية) ، يدل على أن إقامة الشهادة تجب حيث لا يجد المستشهد غيره ، وهو فرض على الكفاية ، كالجهاد والصلاة على الجنائز وغسل الموتى ودفنهم ، متى قام به قوم سقط عن الباقين.