وُجُوبِهَا عِنْدَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: نُسُكَانِ وَاجِبَانِ، وَلَا: صَلَاتَانِ وَاجِبَتَانِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ:"نُسُكَانِ"؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ يَكُونُ النُّسُكُ تَطَوُّعًا، وَقَدْ يَكُونُ فَرِيضَةً، فَأَمَّا مَا يَكُونُ تَطَوُّعًا فَمَا نَسَكَهُ النَّاسُ مِمَّا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْهَدْيِ بِالتَّطَوُّعِ، وَمِمَّا سِوَى ذَلِكَ فَإِنْ قَالَ: فَقَدْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ نُسُكَانِ أَوْ صَلَاتَانِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اسْتِوَاءِ حُكْمِهِمَا كَانَ عِنْدَهُ؟
قِيلَ لَهُ: مَا فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِوَاءِ حُكْمِهِمَا كَانَ عِنْدَهُ، لِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُقْرَنُ بِالشَّيْءِ وَحُكْمُهُمَا مُخْتَلِفٌ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} ، وَالرَّفَثُ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَالْجِدَالُ لَا يُفْسِدُهُ، فَقَرَنَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ أَحْكَامِهَا فِي أَنْفُسِهَا وَالْفَرَائِضُ فَإِنَّمَا تُعْلَمُ بِالتَّوْقِيفِ عَلَيْهَا، فَلَمَّا لَمْ يَقِفْ عَلَى فَرْضِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْعُمْرَةَ عَلَى عِبَادِهِ لَمْ يَجْعَلْهَا فَرِيضَةً عَلَيْهِمْ فَقَالَ قَائِلٌ: الْقِيَاسُ يُوجِبُ أَنَّهَا فَرِيضَةٌ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّا لَمْ نَرَ شَيْئًا يُتَطَوَّعُ بِهِ إِلَّا وَلَهُ أَصْلٌ فِي الْفَرْضِ، مِنْ ذَلِكَ الْحَجُّ، يُتَطَوَّعُ بِهِ، وَلَهُ أَصْلٌ فِي الْفَرْضِ، وَمِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ، يُتَطَوَّعُ بِهَا، وَلَهَا أَصْلٌ فِي الْفَرْضِ، وَمِنْ ذَلِكَ الصَّدَقَةُ، يُتَطَوَّعُ بِهَا، وَلَهَا أَصْلٌ فِي الْفَرْضِ، وَمِنْ ذَلِكَ الصِّيَامُ، يُتَطَوَّعُ بِهِ، وَلَهُ أَصْلٌ فِي الْفَرْضِ قَالَ: فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَمَّا كَانَتْ يُتَطَوَّعُ بِهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا وَلَهَا أَصْلٌ فِي الْفَرْضِ فَقِيلَ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ: