(أَنْ طَهِّرَا) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «أَنْ» هُنَا بِمَعْنَى أَيِ الْمُفَسِّرَةِ ; لِأَنَّ عَهِدْنَا بِمَعْنَى قُلْنَا وَالْمُفَسِّرَةُ تَرِدُ بَعْدَ الْقَوْلِ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ فَلَا مَوْضِعَ لَهَا عَلَى هَذَا.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وَصِلَتُهَا الْأَمْرُ، وَهَذَا مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِلَةً فِي أَنَّ دُونَ غَيْرِهَا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِأَنْ طَهِّرَا فَيَكُونُ مَوْضِعُهَا جَرًّا أَوْ نَصْبًا عَلَى الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ. وَ (السُّجُودِ) : جَمْعُ سَاجِدٍ، وَقِيلَ هُوَ مَصْدَرٌ، وَفِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ; أَيِ الرُّكَّعِ ذَوِي السُّجُودِ.
قَالَ تَعَالَى {وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم رب اجْعَل هَذَا بَلَدا آمنا وارزق أَهله من الثمرات من آمن مِنْهُم بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر قَالَ وَمن كفر فأمتعه قَلِيلا ثمَّ أضطره إِلَى عَذَاب النَّار وَبئسَ الْمصير}
قَوْلُهُ تَعَالَى: (اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا) : اجْعَلْ بِمَعْنَى صَيِّرْ ; وَهَذَا الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ ; وَبَلَدًا الْمَفْعُولُ الثَّانِي ; وَ (آمِنًا) صِفَةُ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَأَمَّا الَّتِي فِي إِبْرَاهِيمَ فَتُذْكَرُ هُنَاكَ.
(مَنْ آمَنَ) : مَنْ بَدَلٌ مِنْ أَهْلِهِ، وَهُوَ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كَلٍّ (وَمَنْ كَفَرَ) : فِي مَنْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ، وَالتَّقْدِيرُ: قَالَ: وَأَرْزُقُ مَنْ كَفَرَ وَحَذَفَ الْفِعْلَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
(فَأُمَتِّعُهُ) : عَطَفَ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ عَلَى هَذَا مُبْتَدَأٌ، وَ «فَأُمَتِّعُهُ» خَبَرُهُ ; لِأَنَّ الَّذِي لَا تَدْخُلُ الْفَاءُ فِي خَبَرِهَا ; إِلَّا إِذَا كَانَ الْخَبَرُ مُسْتَحَقًّا بِصِلَتِهَا ; كَقَوْلِكَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وَالْكُفْرُ لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ التَّمْتِيعُ، فَإِنْ جَعَلْتَ الْفَاءَ زَائِدَةً عَلَى