قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ كُنْتُمْ) : جَوَابُ الشَّرْطِ (( فَأْتُوا بِسُورَةٍ ) ). وَ (( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) )شَرْطٌ أَيْضًا جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ أَغْنَى عَنْهُ جَوَابُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ ; أَيْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَافْعَلُوا ذَلِكَ. وَلَا تَدْخُلُ إِنِ الشَّرْطِيَّةُ عَلَى فِعْلٍ مَاضٍ فِي الْمَعْنَى ; إِلَّا عَلَى كَانَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا، وَأَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى حَدَثٍ.(
مِمَّا نَزَّلْنَا): فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِرَيْبٍ ; أَيْ رَيْبٍ كَائِنٍ مِمَّا نَزَّلْنَا.
وَالْعَائِدُ عَلَى (( مَا ) )مَحْذُوفٌ أَيْ نَزَّلْنَاهُ، وَ (( مَا ) )بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ (( مِنْ ) )بِرَيْبٍ ; أَيْ إِنِ ارْتَبْتُمْ مِنْ أَجْلِ مَا نَزَّلْنَا.
(فَأْتُوا) : أَصْلُهُ: ائْتِيُوا، وَمَاضِيهُ أَتَى، فَفَاءُ الْكَلِمَةِ هَمْزَةٌ ; فَإِذَا أَمَرْتَ زِدْتَ عَلَيْهَا هَمْزَةَ الْوَصْلِ مَكْسُورَةً، فَاجْتَمَعَتْ هَمْزَتَانِ وَالثَّانِيَةُ سَاكِنَةٌ، فَأُبْدِلَتِ الثَّانِيَةُ يَاءً لِئَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، وَكَانَتِ الْيَاءُ الْأُولَى لِلْكَسْرَةِ قَبْلَهَا، فَإِذَا اتَّصَلَ بِهَا شَيْءٌ حُذِفَتْ هَمْزَةُ الْوَصْلِ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا، ثُمَّ هَمْزَةُ الْيَاءِ لِأَنَّكَ أَعَدْتَهَا إِلَى أَصْلِهَا لِزَوَالِ الْمُوجِبِ لِقَلْبِهَا.
وَيَجُوزُ قَلْبُ هَذِهِ الْهَمْزَةِ أَلِفًا إِذَا انْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا مِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ، وَيَاءً إِذَا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهَا ; كَقَوْلِهِ: الَّذِي إِيتَمَنَ، فَتُصَيِّرُهَا يَاءً فِي اللَّفْظِ، وَوَاوًا إِذَا انْضَمَّ مَا قَبْلَهَا ; كَقَوْلِهِ: يَا صَالِحُ أُوتِنَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ذَنْ لِي. (مِنْ مِثْلِهِ) : الْهَاءُ تَعُودَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونُ مِنْ لِلِابْتِدَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَعُودَ عَلَى الْقُرْآنِ فَتَكُونُ مِنْ زَائِدَةً، وَيَجُوزُ أَنْ تَعُودَ عَلَى الْأَنْدَادِ بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) [النَّحْلِ: 66] .