ثم إن إبراهيم إنما طالبه بتصريف الشمس من المغرب على خلاف العادة؛ لأنه رأى من نمروذ [31 ب/م] الشغب والمكابرة والمغالطة والوقاحة وقلة الحياء والإنصاف في المناظرة، فخشي إن قال له فأت بها من المشرق أيضا أن يقول له: نعم أنا آتي بها من المشرق، ثم يصبر حتى تطلع منه يقول: ها قد أطلعتها من المشرق، أو يدعي ذلك بوقاحته فيحتاج إبراهيم إلى ما يبطل به/ [65/ل] تلك الدعوى، وفي ذلك تطويل البحث وانتشاره، فاستراح من ذلك بأن طلب منه ما يعجزه، وهو أن يأتي بها من المغرب.
{فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258] أي انقطع؛ لأنه إن ادعى أنه يأتي بها كذلك عجز عن تحقيق دعواه [وإن اعترف بالعجز عن ذلك ظهر نقصه وبطلان دعواه] الإلهية.
وإنما قلنا: إنه في الدليل الأول غالط بالمجاز عن الحقيقة، لأن إبراهيم عليه السّلام، إنما ادعى لربه الأمانة الحقيقة، وهي نزع الروح الحيواني عن الجسد بغير علاج محسوس، والإحياء الحقيقي، وهو إعادة الروح إليه بعد نزعها منه.
والنمروذ إنما أثبت لنفسه مجاز ذلك وهو استبقاء الحياة في الإحياء وتفويتها بالعلاج المحسوس في الإماتة، وذلك مما يقدر عليه اللصوص والشلوح وقطاع الطريق، فلا مزية
لنمروذ فيه، وقد تضمنت هذه الآية جواز المناظرة في طلب الحق، وتقرير الأدلة، وحذف بعض مقدماتها للعلم بها، وهو المسمى قياس الإضمار، والتنزل مع الخصم على تقدير التسليم، وإبطال الشبه والشكوك، وإلزام الخصم ما يفهمه، وجواز مناظرة السوفسطائية ونحوهم من منكري الحقائق ونحوهم، بما يقيم الحجة عقلا أو حسا، وقيام الحجة بانقطاع الخصم وانقطاعه بالعجز عن تمشية الدليل إذ لم يكن خائفا، وتضمن شرف علم الجدل والأصول والنظر في المعقول، والكلام في التوحيد به، وإمام الناس فيه إبراهيم عليه السّلام.