الاستعلاء والإطباق، وهي من مخرج التاء، فاختاروها ليكون العمل من جهة واحدة.
والسَّفه: الخفة، والمعنى ومن يمل عن ملة إبراهيم إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ، واختلف في (سَفِهَ نَفْسَهُ)
فقال الأخفش: أهل التأويل يزعمون أن المعنى: سَفَّه نفسه. وقال يونس أراها لغة، قال الزجاج:
ذهب يونس إلى أنَّ (فَعِل) للمبالغة. كما أن (فَعَّل) لذلك، قال ويجوز على هذا سَفِهت زيدًا بمعنى:
سَفّهت. وقال أبو عبيدة: معناه أهلك نفسه، وأوبق نفسه، قال ابن زيد: إلا من أخطأ
خطيئة، فهذا كله وجه واحد في التأويل، وقال آخرون: هو على التفسير. كقوله تعالى (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا) .
وهو قول الفراء قال: العرب توقع سَفِهَ على نفسه وهي معرفة وكذا (بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا) ،
وأنكر هذا الزجاج، وقال: معنى التمييز لا يحتمل التعريف؛ لأنَّ التمييز إنما هو واحد يدل على جنسه
فإذا عرَّفته صار مقصودا، وقيل: هو تمييز على تقدير الانفصال كما تقول: مررت برجلٍ مثله. أي:
مثل له، وقيل: هو على حذف حرف الجر كما قال تعالى (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) ، أي:
على عقدة النكاح قال الشاعر:
نُغالي اللَّحْمَ للأَضْيافِ نِيّاً، ... ونُرْخِصُه إِذا نَضِجَ القُدورُ
كأنه قال: نغالي باللحم، قال الزجاج: وهذا مذهب صحيح، والاختيار عنده أن يكون سفِه في
معنى جهل، وهو موافق لما قال ابن السراج في (بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا) ؛ لأنَّ البَطِر مستقل للنعمة غيرُ
راضٍ بها.
ويقال: لما قال (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) . فخص الآخرة بالذكر، وهو في الدنيا كذلك؟
والجواب: أن الحسن قال: المعنى أنه من الذين يستوجبون على الله الكرامة وحسن الثواب، فلما كان
خلوص الثواب في الآخرة دون الدنيا وصفه بما ينبئ عن ذلك.
في هذه الآية دلالة على أن ملة نبينا صلى الله عليه وسلم هي ملة إبراهيم عليه السلام مع زياداتٍ في
ملة نبينا. فبين أن الذين يرغبون من الكفار عن هذه الملة وهي تلك الملة قد سَفِهوا أنفسَهم. وهذا قول
قتادة والربيع.