«فإن قيل» : لم نكر القتال في قوله تعالى: {قِتَالٌ فِيهِ} ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجيء باللام حتى يكون المذكور الثاني هو الأول، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور غير الأول كما في قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً. إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً} قلنا: نعم ما ذكرتم من أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثاني غير الأول. والقوم أرادوا بقولهم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ} ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله وأصحابه فقال تعالى {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} . وفيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيراً ليس هو القتال الذي سألتم عنه؛ بل هو قتال آخر؛ لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإِسلام وإذلال الكفر فكيف يكون هذا من الكبائر؟
إنما القتال الكبير هو الذي يكون الغرض فيه هدم الإِسلام وتقوية الكفر؛ فكان اختيار التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة، ولو أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة. فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب - بل تحت كل حرف منه - سر لطيف لا يهتدي إليه إلا أولو الألباب"."
«فإن قلت» : ما موقع قوله (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) مما قبله؟
قلت: موقعه موقع البيان والتوضيح لقوله: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ يعني أن المأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث ترجمة له وتفسيرا، أو إزالة للشبهة ودلالة على أن الغرض الأصيل في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فلا تأتوهن إلا من المأتى الذي يتعلق به هذا الغرض».
(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)
فإن قلت وما معنى ذكر الأنفس - هنا - ؟
قلت: في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن. وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال. فأمرن أن يقمعن أنفسهن، ويغلبنها على الطموح، ويجبرنها على التربص».
وقوله - تعالى -: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ نصب ثلاثة على النيابة عن المفعول فيه، لأن الكلام على تقدير مضاف، أي مدة ثلاثة قروء. فلما حذف المضاف خلفه المضاف إليه في الإعراب.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : لمن الخطاب في قوله: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا)