قلت: من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق فنهي أن يتعداه. لأن من تعداه وقع في حيز الباطل، ثم بولغ في ذلك فنهي أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزى الحق والباطل لئلا يدانى الباطل، وأن يكون في الواسطة متباعدا عن الطرف فضلا عن أن يتخطاه كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» فالرتع حول الحمى وقربان حيزه واحد. ويجوز أن يريد
بحدود الله محارمه ومناهيه خصوصا، لقوله - تعالى -: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وهي حدود لا تقرب».
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : ما وجه اتصال قوله - تعالى -: (وَلَيْسَ الْبِرُّ) إلخ بما قبله؟
قلت: كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها وتمامها: إن كل ما يفعله الله - تعالى - لا يكون إلا عن حكمة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها برا. ويجوز أن يكون ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج، لأنه كان من أفعالهم في الحج. ويحتمل أن يكون هذا لتعكيسهم في سؤالهم وأن مثلهم كمثل من يترك باب البيت ويدخله من ظهره. والمعنى:
ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم، ولكن البر بر من اتقى ذلك وتجنبه ولم يجسر على مثله ثم قال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها أي: باشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا، والمراد وجوب توطين النفوس وربط القلوب على أن جميع أفعال الله حكمة وصواب».
(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ(193)
قال الإِمام الرازي: أما قوله تعالى: {فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين} ففيه وجهان:
الأول: فإن انتهوا فلا عدوان أي: فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون عن الكفر، فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم قال تعالى {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}
«فإن قيل» : لم يسمى ذلك القتل عدوانا مع أنه في نفسه صواب؟
قلنا: لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه، كقوله تعالى: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} الثاني: إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين، فتسلط عليكم من يعتدى عليكم.