قلت: قد حكي ما كان مستقبلا في وقت التدارؤ، كما حكي الحاضر في قوله: {باسِطٌ ذِراعَيْهِ} .
{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) }
فإن قلت: إن بني إسرائيل كانوا مقرين بالبعث، فما معنى إلزامهم بقوله: {كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى} ؟
قلت: كانوا مقرين قولا وتقليدا، فثبته عيانا وإيقانا، وهو كقول إبراهيم عليه السلام: {وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} .
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ... (74) }
فإن قلت: لم قيل: {أَشَدُّ قَسْوَةً} ؟ وفعل القسوة مما يبنى فيه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟
قلت: لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة من لفظ أقسى؛ لأن دلالته على الشدة بجوهر اللفظ الموضوع لها مع هيئة موضوعة للزيادة في معنى الشدة، بخلاف لفظ الأقسى، فإن دلالته على الشدة والزيادة في القسوة بالهيئة فقط.
والحكمة في ضرب قلوبهم مثلا بالحجارة، وتشبيهها بها دون غيرها من الأشياء الصلبة من الحديد، والصفر، وغيرهما؛ لأن الحديد تلينه النار وهو قابل للتليين، كما لأن لداود عليه السلام، وكذا الصفر حتى يضرب منها الأواني والحجر لا يلينه نار ولا شيء آخر، فلذلك شبّه قلب الكافر بها، وهذا والله أعلم في حقّ قوم علم الله سبحانه أنهم لا يؤمنون، والمعنى؛ أي: إن قلوبكم صلبت بعد إذ رأيتم الحقّ وعرفتموه، واستكبرت عن الخضوع والإذعان لأمر الدين، فهي كالحجارة صلابة ويبسا، بل أشدّ منها.
وقوله: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ} بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة، وتقرير لقوله: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} .
{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ... (80) }
فإن قلت: لِمَ قال هنا {مَعْدُودَةً} بالإفراد، وفي آل عمران {معدودات} بالجمع؟
قلت: إشارةً إلى الجمع بين الأصل والفرع، إذ الأصل في الجمع بالألف والتاء: إذا كان واحده مذكّرًا أن يقتصر في الوصف على تأنيثه مفردًا، كقوله تعالى: {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) } وقد يقال: (سرر مرفوعات) على الجمع، فهو فرعٌ عن الأول، فذكر في البقرة على الأصل؛ لكونها أوّل، وفي آل عمران على الفرع؛ لكونها آخرًا.