وإنما ذكر الحق تعالى شطر المسجد، أي: جهته، دون عين الكعبة لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان في المدينة، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها حَرجٌ عليه، بخلاف القريب، فإنه يسهل عليه مسامته العين.
وقيل: إن جبريل - عليه السلام - عيّنها له بالوحي فسميت قبلة وحْي.
رُوِيَ أنه صلّى الله عليه وسلّم قدم المدينة فصلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم وُجِّه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين، وقد صلّى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحوّل في الصلاة، واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسُمي مسجد القبلتين. قاله البيضاوي.
(الإشارة)
في الآية إشارة إلى أن ترك التصريح من كمال الأدب، وفي الحكم: «ربما دلهم الأدب على ترك الطلب، كيف يكون دعاؤك اللاحق سبباً في قضائه السابق؟! جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل» . فإذا تمنيت شيئاً وتوقفت على أمر فاصبر وتأدب واقتد بنبيك - عليه الصلاة والسلام - حتى يعطيك ما ترضى، أو يعوضك منها مقام الرضا. وفي المسألة كلام، والتحقيق أن ينظر إلى ما ينشرح به صدره في الوقت، فإن انشرح للدعاء دعا، وإن انقبض عن الدعاء سكت.
والله يرزق من يشاء بغير حساب ولا علّة ولا أسباب.
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(149)
قال البيضاوي: كرر هذا الحكم لتعدد علله، فإنه تعالى ذكر للتحول ثلاث علل: تعظيم الرسول صلّى الله عليه وسلّم بابتغاء مرضاته، وَجَرت العادة الإلهية على أن يُولِّي أهل كل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها، ودفع حجج المخالفين على ما بينه، وقرن كل علة بمعلولها، مع أن القبلة لها شأن، والنسخ من مظان الفتنة والشبهة، فبالحَرِيِّ أن يُؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى. اهـ.