ومن لطائف ونكات تفسير ابن عجيبة:
(ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ(2)
والمتقي: من جعل بينه وبين مقت الله وقاية، وله ثلاث درجات:
حفظ الجوارح من المخالفات، وحفظ القلوب من المساوئ والهفوات، وحفظ السرائر من الوقوف مع المحسوسات.
فالأولى لمقام الإسلام، وإليه توجه الخطاب بقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ، والثانية لمقام الإيمان، وإليه توجه الخطاب بقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ) ، والثالثة لمقام الإحسان، وإليه توجه الخطاب بقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ) .
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(6) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (7)
أي: الإنذار وعدمه سواء في حق هؤلاء الكفرة، والغشاوة: ما يغشى الشيء ويغطيه، كنى به عن مانع قهرهم عن الإيمان.
يقول الحق جلّ جلاله: يا محمد إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بما أنزل إليك جهراً، وسبقت لهم مني الشقاوة سرّاً، لا ينفع فيهم الوعظ والإنذار، ولا البشارة والتذكار، فإنذارك وعدمه في حقهم سواء، لما سبق لهم مني الطرد والشقاء، فالتذكير في حقهم عناء، والغيبة عن أحوالهم راحة وهناء، لأني ختمتُ على قلوبهم بطابع الكفران، فلا يهتدون إلى إسلام ولا إيمان، ومنعت أسماعهم أن تصغي إلى الوعظ والتذكير، فلا ينجع فيهم تخويف ولا تحذير، وغشيت أبصارهم بظلمة الحجاب فلا يبصرون الحق والصواب، قد أعددتُهم لعذابي ونقمتي، وطردتهم عن ساحة رحمتي ونعمتي.
وإنما أمرتك بإنذارهم لإقامة الحجة عليهم، وإني وإن حكمت عليهم أنهم من أهل مخالفتي وعنادي فإني لا أظلم أحداً من خلقي وعبادي، (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) .